ولو قدر أن بعض القائلين بأن المحصر بمرض أو نفقة يقول بمثل ذلك _ المريض الميئوس من برئه ، والفقير الذي يمكنه المقام دون السفر _ كان قوله مردودًا بأصول الشريعة ، فإنه لا يقول فقيه: أن الله أمر المريض المعضوب الميئوس من برئه ، أن يبقى محرما حتى يموت ، بل أكثر ما يقال أنه يقيم مقامه من يحج عنه ، كما قال ذلك الشافعي وأحمد في أصل الحج ، فأوجباه على المعضوب إذا كان له مال يحج به غيره عنه ، إذ كان مناط الوجوب عندهما هو ملك الزاد والراحلة ، وعند مالك القدرة بالبدن كيف ما كان ، وعند أبي حنيفة مجموعهما ، وعند أحمد في كل من الأمرين مناط للوجوب ، فيجب على هذا وهذا ، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين أن المعضوب عليه أن يحج أو يعتمر ببدنه ، فكيف يبقى محرمًا عليه إتمام الحج إلى أن يموت ؟!
الثاني: أن هذه إذا أمكنها العود فعادت أصابها في المرة الثانية نظير ما أصابها في الأولى ، إذا كان لا يمكنها العود إلا مع الوفد ، والحيض قد يصيبها مدة مقامهم بمكة .
الثالث: أن هذا إيجاب سفرين كاملين على الإنسان للحج ، من غير تفريط منه ، ولا عدوان ، وهذا خلاف الأصول ، فإن الله لم يوجب على الناس الحج إلا مرة واحدة ، وإذا أوجب القضاء على المفسد فذلك بسبب جنايته على إحرامه ، وإذا أوجبه على من فاته الحج فذلك بسبب تفريطه ؛ لأن الوقوف له وقت محدود ، يمكن في العادة أن لا يتأخر عنه فتأخره يكون لجهله بالطريق ، أو بما بقى من الوقت ، أو لترك السير المعتاد ، وكل ذلك تفريط منه ؛ بخلاف الحائض فإنها لم تفرط ، ولهذا أسقط النبي صلى الله عليه وسلم عنها طواف الوداع ، وطواف القدوم كما في حديث عائشة وصفية .