ومن الأدلة على ذلك أن عمارًا لما قال: أجنبت ولا ماء، قال له النبي ^: » إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا « وضرب بكفيه الأرض، وهكذا الرجل الذي أجنب ولم يجد الماء، ولم يصل مع القوم كما في حديث عمران المتفق عليه، قال النبي ^: » عليك بالصعيد إنه يكفيك«، وهكذا عمرو بن العاص لما صلى بأصحابه في غزوة ذات السلاسل وكان البرد شديدًا، فتيمم وصلى بأصحابه ولم ينكر عليه النبي ^، وقبل ذلك كله عموم الآية: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] ، فعلم بحمد الله من هذه الأدلة أن من عدم الماء أو لم تكن له قدرة على استعماله جاز له التيمم سواء في الحضر أو السفر، والآية: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء:43] ، خرجت مخرج الغالب كما قرره جمهور العلماء، انظر ذلك في"فتح الباري"لابن رجب (2/32) ، وأنه لا يشترط لصحة التيمم السفر أو المرض.
فصل
ما هو المرض الذي يبيح التيمم
تقدم أن ذكرنا ما يتعلق بهذه المسألة، ونزيد هنا بيانًا مهمًا: وهو أنه لا دليل يصح على اعتبار وتقدير المرض الذي يبيح التيمم، فمن خاف على نفسه الضرر بالبرد، أو حدوث علة أو داومها، أو خاف على نفسه العطش إن استعمل الماء الذي عنده فإنه يتيمم ويصلي ولا يعيد.
قال سفيان الثوري رحمه الله: أجمعوا أن الرجل إذا كان في أرض باردة فأجنب فخشي على نفسه الموت تيمم. انظر"مصنف عبد الرزاق" (1/226) .
قال ابن المنذر في"الأوسط" (2/26) : وبقول مالك وسفيان والثوري أقول وذلك لثلاث حجج.
الأولى: قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] .
والثانية: خبر عمرو بن العاص حين خشي البرد فتيمم، وصلى بأصحابه وأخبر النبي ^ بذلك فضحك وأقره.