ثم ذكر وجه الخلاف بين الوضوء والتيمم، فقال: إن التيمم ليس فيه مضمضة ولا استنشاق بخلاف الوضوء، والتيمم لا يستحب فيه تثنية ولا تثليث بخلاف الوضوء، والتيمم يفارق صفة الوضوء من وجوه. اهـ من"مجموع الفتاوى" (21/354-355) جمع ابن قاسم النجدي.
قلت أيضًا: وليس في التيمم مسح الرأس ولا الأذنين ولا القدمين، ولا تخليل اللحية ولا إدخال التراب بين الأصابع، كل ذلك لا يصح عليه دليل في التيمم، فهذه من الفوارق بين الوضوء والتيمم فلا يصح القياس بينهما من أصله كما تقدم، وبعد هذا فالراجح الذي لا شك فيه عندي هو قول جمهور أهل الحديث أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين.
وهناك قول ثالث: أن التيمم ضربتان للوجه واليدين إلى المنكبين من أعلى اليد، وإلى الآباط من أسفلها، وهذا مروي عن الزهري ومحمد بن سلمة من المالكية، ولهم دليل ضعيف من حديث عمار (أن عائشة لما انقطع عقدها، ونزلت آية التيمم قام المسلمون مع رسول الله ^ فضربوا بأيديهم الأرض ثم رفعوها ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط) وهو حديث مضطرب جدًا قد بين اضطرابه أبو داود برقم (320) ، وأخرجه أيضًا ابن الجارود رقم (121) ، والنسائي (1/167) ، وأحمد (4/264 و320) ، وضعفه ابن حزم في"المحلى"مسألة (250) ، وأعله أبو حاتم وأبو زرعة.
انظر"العلل لابن أبي حاتم" (1/61) ، وقال ابن رجب في"فتح الباري" (2/56) : وهذا الحديث منكر جدًا لا يزال العلماء ينكرونه.
وقد أنكره الزهري راويه وقال: هو لا يعتد به الناس، وامتنع بعد ذلك أن يحدث به، وقال: ليس العمل عليه، وسئل عنه الإمام أحمد فقال: ليس بشيء، وقد اختلفوا في إسناده، وكان الزهري يهابه، وقال: ما أرى العمل به. اهـ
ولهذا قال ابن رشد عن هذا المذهب: هو مذهب شاذ.