وذلك قوله:"ثم دعى بعسيب فشقه اثنين يعنى طولا"، فإن من المعلوم أن شقه سبب لذهاب النداوة من الشق ويبس العسيب بسرعة فتكون مدة التخفيف أقل مما لو لم يشق ويبس العسيب بسرعة فلو كانت هى العلة لأبقاه - صلى الله عليه وسلم - بدون شق ولوضع على كل قبر من قبور المسلمين عسيبا أو نصف عسيب على الأقل ، فإذا لم يفعل ذلك دل على أن النداوة ليست هى السبب في تخفيف العذاب وتعين أنها علامة على مدة التخفيف الذى أذن الله به استجابة لشفاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - كما هو مصرح به في حديث جابر.
وبذلك يتفق الحديثان في تعيين السبب وإن احتمل اختلافهما في الواقعة وتعددها هذا كلام نفيس جدا إذن الأصل: هو شفاعة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، فالراجح من أقوال جمهور أهل العلم كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح أن وضع الجريد على القبر إنما هو فعل خاص بالنبى - صلى الله عليه وسلم - ، وأن السر في تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن في نداوة العسيب بل في شفاعة النبى - صلى الله عليه وسلم - ودعائه لهم.
وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد موت النبى - صلى الله عليه وسلم - وانتقاله إلى الرفيق الأعلى ولا لغيره من الصحابة ولا لأحد من الأمة ، لأن الإطلاع على عذاب القبر من خصوصيات المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهو من الغيب الذى لا يطلع الله عليه أحدا إلا من أرتضى من رسول كما قال تعالى: { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ }
[الجن: 26 ، 27]
فالمسألة خاصة بالنبى - صلى الله عليه وسلم - بدليل أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان بين المقابر لم يضع الخضرة إلا على قبرين اثنين ولم يضع الخضرة على سائر القبور.
أيضا من المسائل المتعلقة بالمقابر أنه يحرم الذبح عند القبر