أولًا: أن الإبل يمكن سرقتها بمجرد فكّ عقالها إن كانت معقولة ثم قيادتها، بخلاف السيارة فهي تحتاج لفتح قفل بابها، ومن ثم تشغيلها وإدارة محركاتها، وهذا وذاك لا يكونان إلا بمفتاح، ثم إن كل سيارة لها مفتاح خاص بها.
ثانيًا:إن عادة الناس في هذه الأيام في إحراز السيارات تختلف عن عادتهم- في هذه الأيام كذلك- في إحراز الإبل؛ فكل منهما له طريقة معينة في الحفظ والإحراز فدلّ على التفاوت بينها.
ثالثًا: إن الحرز إنما يعتبر بالعادة، وعادات الناس تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة -كما سبق بيانه- وتختلف كذلك باختلاف المال المحرز، بل إن السيارات فيما بينها قد تختلف أحرازها باختلاف الزمان والمكان؛ فإذا جاز اختلافها فيما بينها؛ فإن اختلافها عن الإبل من باب أولى.
فإذا تبيّن بُعد قياس السيارات على الإبل في الإحراز؛ فإن الأقرب أن يقال:
إن حرز السيارات إنما يعتبر بالعرف والعادة التي درج عليها الناس في ذلك البلد وذلك الزمان؛ فما عدّه الناس حرزًا لمثل هذه السيارة حُكِم بأنه حرز لها، وما عدّه الناس أنه ليس بحرز حُكِِم به كذلك؛ أخذًا بالقاعدة الفقهية المشهورة: (القاعدة مُحَكَّمة) (41) .
وقد أكّد الفقهاء -رحمهم الله تعالى- قديمًا على هذا المعنى فيما يتعلق بخصوص الحرز، ومن ذلك قول الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى-:
"وانظر إلى المسروق فإن كان في الموضع الذي سرق فيه تنسبه العامة إلى أنه في مثل ذلك الموضع محرز فاقطع فيه، وإن كانت العامة لا تنسبه على أنه في مثل ذلك الموضع محرز فلا يقطع فيه" (42) .
وقال:"الأحراز تختلف فيحرز بكل ما يكون العامة تحرز به" (43) .
ويقول ابن قدامة -رحمه الله تعالى-:
"والحرز ما عُدَّ حرزًا في العرف؛ فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه؛ عُلِم أنه ردّ ذلك إلى أهل العرف؛ لأنه لا طريق إلا معرفته إلا من جهته؛ فيرجع إليه، كما رجعنا إليه في معرفة القبض والفرقة في البيع وأشباه ذلك" (44) .
وبهذا يتبين أن المحكم في ضبط حرز السيارات إنما هو العرف، وذلك للأمور التالية:
أولًا: أن الشارع أثبت اعتبار الحرز في وجوب القطع من غير تنصيص على بيانه؛ فعُلِم أنه ردّ على عرف الناس فيه؛ فيؤخذ به في حرز السيارات.
ثانيًا: أن الرجوع في ضبط الحرز إلى العرف هو في حقيقته رجوع إلى الشرع، فإن الشرع ما ترك التحديد إلا أن الحرز لا ينضبط (45) .