ولذلك فإن الإمام أحمد رحمه الله مع قيامه بأمر الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ينكر الخروج إنكارًا شديدًا فقال أبو الحارث: سألت أبا عبد الله في أمرٍ كان حدث ببغداد وهم قومٌ بالخروج. فقلت: يا أبا عبد الله! ما تقول في الخروج مع هذه القوم. فأنكر ذلك عليهم وجعل يقول: سبحان الله، الدماء الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به. الصبر على ما نحن فيه خيرٌ من الفتنة، تسفك فيها الدماء وتستباح فيها الأموال وتنتهك فيه المحارم. أما علمت ما كان الناس فيه -يعني أيام الفتنة -. قلت: والناس اليوم، أليسوا اليوم في فتنةٍ يا أبا عبد الله؟ قال: وإن كان فإنما هي فتنةٌ خاصة. فإذا وقع السيف عمت الفتنة وانقطعت السبل.-يعني صارت الطرق غير آمنة- الصبر على هذا ويسلم لك دينك خيرٌ لك. ورأيته ينكر الخروج على الأئمة وقال: الدماء! لا أرى ذلك ولا آمر به.
وقال الإمام الطرطوشي رحمه الله: إذا استقامت لكم أمور السلطان فأكثروا حمد الله وشكره، وإن جاءكم منه ما تكرهون وجهوه إلى ما تستوجبونه بذنوبكم. يعني قولوا: هذا بسببنا ومن أنفسنا وما جنته أيدينا. قال: وجهوه إلى ما تستوجبونه بذنوبكم وتستحقونه بآثامكم وأقيموا عذر السلطان لانتشار الأمور عليه وكثرة ما يكابده من ضغط جوانب المملكة واستئلاف الأعداء وإرضاء الأولياء وقلة الناصح وكثرة التدليس والطمع، قال ذلك في كتابه"سراج الملوك"رحمه الله.
وقال الشيخ الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حنس آل الشيخ رحمه الله: ولم يدر هؤلاء المفتونون أن أكثر ولاة أهل الإسلام من عهد يزيد بن معاوية حاشا عمر بن عبد العزيز ومن شاء الله من بني أمية قد وقع منهم من الجراءة والحوادث العظام والخروج والفساد في ولاية أهل الإسلام. ومع ذلك فسيرة الأئمة الأعلام والسادة العظام معهم معروفةٌ مشهورة، لا ينزعون يدًا من طاعة فيما أمر الله به ورسوله من شرائع الإسلام وواجبات الدين، فهذه عبارةٌ ذهبيةٌ عظيمة. فانظر إليه رحمه الله يقول: لا ينزعون يدًا من طاعة فيما أمر الله به ورسوله من شرائع الإسلام وواجبات الدين.
وهذا كله يؤكد أهمية الوفاء بهذه البيعة وعدم الخروج عن السلطان وعن الإمام. فإن اجتماع المسلمين فيه خيرٌ عظيم. ولذلك كان له - أي الإمام - حقوقٌ على الرعية. ولذلك كان له من الحقوق على الرعية بذل الطاعة له ظاهرًا وباطنًا في كل ما يأمر به إلا أن يكون معصية، لقوله عليه الصلاة والسلام: السمع والطاعة على المسلم فيما أمر أو كره ما لم يؤمر بمعصية.
ثانيًا: بذل النصيحة له لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة لله ولرسوله لكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم. وكذلك إعانته على ما تحمل من الأعباء وإعلامه بسيرة عماله. وأيضًا فإن التعاون على البر والتقوى ولا شك يشمل هذا، فلو لم يدخل فيه لكان شذوذًا عظيمًا.