وقد قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: الأمة مجمعون من كل مذهب أن من تغلّب على بلدٍ أو بلدان فله حكم الإمام، فهذا ما أقام فيهم شرع الله وما أقام الصلاة لا يجوز الخروج عليه بحال، ونكث البيعة مع الإمام الذي يقيم شرع الله حرامٌ، ومن فعل ذلك فمات فميتته جاهلية. وقال عليه الصلاة والسلام: ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع. فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر.
وقضية الإمامة في الإسلام من القضايا الكبرى العظيمة. ولذلك صنف فيها العلماء مصنفاتٍ مستقلة بينوا فيها شروط الإمامة وواجبات الإمام، وكان التفصيل العظيم منهم بيانًا لأهمية هذا الأمر في حياة المسلمين. فمن شروط الإمامة: أن يكون مسلمًا. {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (النساء: من الآية141) . وثانيًا: البلوغ. فإذا كان في ولاية المال لا يجوز أن يكون سفيهًا فما بالك إذًا في الولاية العظمى؟ وثالثًا: العقل. وهو ما يحتاجه في تصريف الأمور. ورابعًا: الحرِّيَّة. وخامسًا: الذكورة. وقد قال عليه الصلاة والسلام لما بلغه أن فارسًا ملكوا ابنة كسرى: لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة. وقال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (النساء: من الآية34) . ومعلومٌ أن إمامة المسلمين تقتضي الدخول في المحافل ومخالطة الرجال وقيادة الجيوش ونحو ذلك. وهذا أمرٌ محظور على من قال لهن: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (الأحزاب: من الآية33) . سادسًا: العلم، فهذا العلم الشرعي الذي يبين له ما يأتي وما يذر. وسابعًا: العدالة، وهي اجتناب الكبائر والصغائر والتعفف عن الخوارم التي تخرم المروءة. وثامنًا: الكفاءة النفسية بأن يكون شجاعًا جريئًا جسورًا بحكمةٍ وعدم تهور. وتاسعًا: كفاءة الجسم وسلامة الأعضاء. وعاشرًا: عدم الحرص.
وهكذا بيّن النبي صلى الله عليه وسلم في كمال الرأي في قريش. فكان عليه الصلاة والسلام يبين هذه الشروط التي تجعل الإمامة في أتم أحوالها. وإذا نقص عن ذلك شرط فإن من تغلب يحكم شرع الله فعلى المسلمين طاعته كائنًا من كان. فهذا معنى الحديث: ولو تأمر عليكم عبدٌ حبشي.
فأما واجباته فإقامة الدين وحفظه وتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وتحصين الثغور وقسمة الغنائم وتنظيم موارد بيت المال والإحاطة بالأخبار ومراجعة العلماء وكذلك رعاية مصالح المسلمين والتيقظ للفتنة وتزويد الصغار الذين لا أولياء لهم والجهاد بعد الدعوة وجباية الفيء والصدقات ومحاسبة العمال وجباية الزكاة وقسمتها وتقدير العطايا ورعاية أهل الذمة لأن بينهم وبين المسلمين عقدًا، وكذلك الإصلاح بين الرعية وإكرام وجوه الناس والعدل في قسمة الأموال بينهم.
وحكمة طاعة أولياء الأمور واضحةٌ جدًا فقد قال عمر رضي الله عنه: يا معشر العريض، الأرض الأرض، قاله لما تطاول الناس في البناء. ثم قال: إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة. وقال الحسن البصري رحمه الله: والله لا يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون.