كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم وفد الأنصار وأصحاب بيعة العقبة فواعدهم. فلما حضروا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فتلى القرآن ودعى إلى الله ورغّب في الإسلام. ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
ثالثًا: التبايع على الموت في سبيل الله:
ومن ذلك ما ورد في غزوة الحديبية. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (الفتح:10) . وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفه على كفه الأخرى بيعةً عن عثمان رضي الله عنه لأنه أرسله في مهمةٍ إلى مكة.
رابعًا: البيعة على الهجرة:
وكانت أول الأمر فرض عينٍ على المسلمين، ثم انتهت بعد الفتح. وقال عليه الصلاة والسلام: لا هجرة بعد الفتح. ومن أدلة هذه البيعة ما جاء في الحديث عن مدافع بن مسعود رضي الله عنه قال: أتيت بأخي بعد الفتح فقلت: يا رسول الله. جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة. قال: ذهب أهل الهجرة بما فيها. فقلت: فعلى أي شيءٍ تبايعه؟ قال: أبايعه على الإسلام والجهاد والخير.
فهذه أنواعٌ أربعة قد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت البيعة الخامسة على السمع والطاعة لأئمة المسلمين. فقد حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم وبعده للأئمة. وهي التي ينصرف إليها الكلام في كتب الفقهاء عندما يتكلمون عن بيعة الأئمة. وهي التي في حديث عبادة: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرةٍ علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.
فبيعة ولي الأمر مما يسبب استقرار المجتمع المسلم لأنهم إذا اجتمعوا على رجلٍ واحد وعلى خليفةٍ واحد وعلى إمامٍ واحد استقام كثيرٌ من أمورهم. ولا شك أن التفرّق عن هذه البيعة سيسبّب الخصومة والافتراق والحرب بين المسلمين، لأن كلًا منهم يريد أن ينصب إمامًا. فماذا يحدث لو تفرق أمر المجتمع وذهبت كل قبيلةٍ بما فيها؟ ولعلا بعضهم على بعض، كلٌ يريد أن يتخذ أميرًا وإمامًا وتكون له الهيمنة والسيطرة. فالنتيجة المتوقعة في هذه الحالة إراقة الدماء ووقوع الحروب بينهم. ولذلك كان وجود الإمام الذي يجمع هؤلاء جميعًا من أعظم المصالح الشرعية. ولذلك حكى الفقهاء الإجماع على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خيرٌ من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء.