إن «العدة» ما هي إلا: ضرب أجل معلوم بحكم الشرع، تُلْزَم المرأة به من مراعاة أحكام خاصة بها في هذه المدة.
أدلة مشروعية العدة:
أولًا: القرآن الكريم:
أ- أدلة عدة المتوفي عنها زوجها:
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [1] .
فهذه الآية الكريمة دلت على وجوب التزام المرأة المسلمة بحكم الشارع - عزّ وجلّ- حين وفاة زوجها، ناسخة لحكم آية الاعتداد بالحول في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [2] .
قال الإمام الحافظ، شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره: يعني تعالى ذكره بذلك: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ) من الرجال أيها الناس, فيموتون, ويذرون أزواجًا يتربصن أزواجهن بأنفسهن، يعني به: يحتبسن معتدات عن الأزواج، والطيب، والزينة، والنقلة عن المسكن الذي كن يسكنه في حياة أزواجهن أربعة أشهر وعشرًا إلا أن يكن حوامل، فيكون عليهن من التربص كذلك إلى حين وضع حملهن، فإذا وضعن حملهن انقضت عدتهن حينئذ [3] ، خلافًا لما كانت عليه المرأة في الجاهلية من الانتظار حولًا كاملًا.
وقال أيضًا - عزّ وجلّ - في عدة الحامل: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [4] .
يقول ابن جرير: أي إن وضعت الحامل حملها فقد انقضت عدتها، وهذا بإجماع أهل العلم، وأما في المتوفي عنها زوجها ففيه اختلاف بينهم سأذكره في موضعه.
ب-أدلة عدة المطلقة:
قال تعالى في عدة المطلقة المدخول بها: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [5] وقال أيضًا: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [6] .
يقول ابن العربي: هذه الآية من أشكل آية في كتاب الله ـ تعالى ـ من الأحكام، تردد فيها علماء الإسلام، واختلف فيها الصحابة قديمًا، والمسلمون حديثًا، ولو شاء ربك لبين طريقها, وأوضح تحقيقها، ولكنه وكل درك البيان إلى اجتهاد العلماء؛ ليظهر فضل المعرفة في الدرجات الموعود بالرفع فيه؛ إلى أن قال: هذه الآية عامة في مطلقة، لكن القرآن خص منها الآيسة, والصغيرة في سورة الطلاق بالأشهر، وخص منها التي لم يدخل بها، لقوله تعالى: (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [7] [8] .
وقال تعالى أيضًا في سورة الطلاق: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [9] .
ووجه الاستدلال بهذه الآية: إنه - سبحانه وتعالى- إنما شرع أن تطلق الزوجة لعدتها؛ أي: لاستقبال عدتها، فتطلق طلاقا يعقبه شروعها في العدة، ولهذا أمر رسول - صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- لما طلق امرأته في حيضها قبل أن يراجعها، وتلا هذه الآية تفسيرًا للمراد بها، وأن المراد بها: الطلاق في قبل العدة، وكذلك كان يقرؤها عبد الله بن عمر، ولهذا قال: كل من قال بتحريم جمع الثلاث: إنه لا يجوز له أن يردف الطلقة بأخرى في ذلك الطهر؛ لأنه غير مطلق للعدة، فإن العدة قد استقبلت من حين الطلقة الأولى، فلا تكون الثانية للعدة [10] .
ثانيًا: السنة النبوية:
جاءت أحاديث كثيرة تتحدث عن العدة وحكمها، نذكر منها ما يلي:
1 -عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين توفى أبوها أبو سفيان بن حرب، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق [11] أو غيره، فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها [12] ، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج
(1) البقرة: (234) .
(2) البقرة: (240) .
(3) تفسير الطبري: محمد بن جرير الطبري تحقيق: محمود شاكر (2/ 611، 612) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت - ط الأولى -1421هـ.
(4) الطلاق: (4) .
(5) البقرة: (228) .
(6) الطلاق: (1) .
(7) الأحزاب: (49) .
(8) أحكام القرآن: ابن العربي تحقيق: على البجاوي (1/ 185) ، دار المعرفة، بيروت.
(9) الطلاق: (1 - 2) .
(10) بدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن قيم الجوزية جمع وتوثيق: يسري السيد محمد (4/ 465) ، دار ابن الجوزي، الدمام، ط الأولى، 1414هـ 1993م.
(11) خلوق: طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصفرة. لسان العرب ابن منظور (10/ 91) .
(12) عارضيها: العارض هو الخد، يقال: أخذ الشعر من عارضيه. لسان العرب (9/ 147) .