أربعة أشهر وعشرًا» [1] , فقوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث «لا يحل» يستدل به على تحريم الإحداد على غير الزوج, وهو ظاهر فوق ثلاث ليال، وكأن هذا القدر أبيح؛ لأجل حفظ النفس، ومراعاتها، وغلبة الطباع البشرية بالحزن على الميت.
أما الشق الآخر من الحديث, فقد دلَّ على وجوب الإحداد على المرأة التي مات زوجها عنها [2] .
2 -وقالت زينب: وسمعت أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها, وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا - مرتين أو ثلاثًا - كل ذلك يقول: لا، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» [3] .
وفي هذا الحديث الشريف إخبار منه - صلى الله عليه وسلم - عن حالة المتوفى عنهن أزواجهن قبل الإسلام أيام الجاهلية، فما أن جاءت تباشير الهداية أمرهن الله ـ تعالى ـ بملازمة البيوت حولًا، ثم نسخ بالأربعة الأشهر والعشر.
3 -وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية, فيسألها عن حديثها، وعما قال لها - صلى الله عليه وسلم - حين استفتته، فكتب عمر بن الأرقم إلى عبد الله بن عتبة يخبره أن سبيعة بنت الحارث أخبرته: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرًا, فتوفي عنها في حجة الوداع, وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعك رجل من بني عبد الدار، فقال لها: مالي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح!! فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر.
قالت سبيعة: «فلما قال لي ذلك جمعت على ثيابي حين أمسيت, وأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي» [4] .
ففي الحديث دليل على أن الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل، وإن لم يمض عليها أربعة أشهر وعشر، ويجوز بعده أن تنكح، وفي المسألة خلاف سأذكرها في عدة المتوفى عنها زوجها [5] .
(1) البخاري (30) ، باب حد المرأة زوجها (1/ 430) ، ح (1221) ، مسلم (9) باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه ذلك إلا ثلاثة أيام (2/ 123) ، ح (1126) .
(2) نيل الأوطار: الشوكاني، تحقيق: عصام الدين الصبابطي (6/ 348، 349) ، دار الحديث، القاهرة، ط الأولى، 1423هـ، 1993م.
(3) البخاري كتاب الطلاق باب الكحل للحادة (5/ 2042 ح 5024) ، مسلم كتاب الطلاق باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة (2/ 124) ح (1488) .
(4) البخاري كتاب المغزى، باب فضل من شهد بدرًا (4/ 1466) ح (2770) ، مسلم كتاب الطلاق باب انقضاء عدة المتوفي عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل (2/ 112) ح (1484) .
(5) سبل السلام: الصنعاني، تحقيق: حازم القاضي ص 1419، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1423هـ، 2003م.