واستدلَّ الحَنابلةُ بالبَراءةِ الأصليَّة؛ إذْ لم يَثبُت في المَحاريبِ حديثٌ، وكونُ الناسِ يَنتفعونَ بالمِحرابِ في المَسجدِ، فهو مِن المَصالِح المُرسَلة.
* مُناقَشة تلكَ الأدلَّة:
1 -أمَّا ما استدلَّ به الأحنافُ، والمالكيَّةُ، والشافعيَّةُ مِن أحاديثَ، فكلُّها ضعيفةٌ ليست بثابتة؛ فلا تَقومُ بها حُجَّة، والله أعلَم، وآثار التَّابِعين وغيرِهم ستأتي في الفُصول التالية - إنْ شاءَ الله - وما صحَّ منها ليسَ بحُجَّة أيضًا، والله الموفِّق.
2 -وأمَّا قولُ الأحناف: إنَّ المِحراب بُنِيَ في المساجِد مِن لَدُنْ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فباطلٌ، فإنه لم يُبْنَ في زمنِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا في زمن الصَّحابة - رضي الله عنهم - شيءٌ مِن ذلك؛ كما تقدَّمت الإشارَة إليه.
3 -وأمَّا ما استدلَّ به الحَنابِلة مِن كَونِ المِحرابِ لم يَثبُت في شأنِه حديثٌ عن رَسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأجابُوا عنه: بأنه صَحيحٌ مِن جِهَةٍ؛ فَحَقًّا لم يَثبُت في شأنها حديثٌ، وقالوا: لا يَسْلَمُ لهم الاستِدلالُ به مِن الجِهة الأخرى؛ فإنَّ كلَّ مُحدَثةٍ بدعة، وكلَّ بدعَة ضَلالة، وهذا أصْل عَامٌّ يَدْخُل تحته كلُّ ما أُحْدِثَ في دينِ الله على سبيل التعبُّد به واتِّخاذه