فإذا كانت الرؤية غير واجبة لشريك الحياة الذي تستمر معه المعايشة والتداخل الحياتي بكل ملامحه فلا قول بوجوب رؤية الشاهدين للزوجة للشهادة عليها عند النكاح. فإذا لم يروا شخصها وسمعوا كلامها من البيت إن كانت وحدها فيه جاز، ويرى الفقهاء من الحنفية، والمالكية، الشافعية، أنها إن كانت حاضرة منتقبة، فالاحتياط كشف وجهها لتنتفي الجهالة [1] .
أما إذا كانت غائبة والشهود يعرفونها وذكر الزوج اسمها جاز النكاح مع علم الشهود أنه أراد تلك المرأة فالمقصود من التسمية التعريف، وقد حصل هذا في حالة معرفة الشهود لها مع الحضور والغيبة، أما إذا كان الشهود لا يعرفونها فلابد أن يشهد على رؤيتها أحد من محارمها فتسفر لهم عن وجهها فيلزمها النكاح عند إنكارها لهذا الزوج.
أما الشهادة على المرأة التي لا يعرفونها فلا تصح؛ لاحتمال ألا تكون هي التي أشهدتهم، فيلزمها نكاح لم ترض به ولا شهدت به على نفسها [2] ، فالمرأة المجهولة لا يجوز الشهادة عليها حتى ترفع النقاب عن وجهها ويشهدوا على عينها؛ لتتعين؛ لتأدية الشهادة التي تحملوها عليها [3] .
والحقيقة أن لاشتراط معرفة الشاهدين للعاقدين في النكاح أهمية كبرى خاصة في هذه المرحلة التي كثر فيها التدليس والخداع، فقد يقع الزواج على غير كفاءة أو يقع بانتحال المدلسين لشخصيات أخرى، لكن لا يصل إلى درجة وجوب الرؤية فيكفي تمييز المنكوحة أو تعيينها عند الشاهدين، وقد أجاز الفقهاء في شاهدي النكاح أن يكونا ضريرين بشرط أن يتيقنا الصوت تيقينا لا شك فيه قياسا على الشهادة بالاستفاضة، فالغرض من الشهادة في النكاح: إعلان النكاح، ولهذا يثبت بالتسامع [4] .
الفرع الرابع
حكم إثبات الملك عن طريق رؤية شيء في يد إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك
الملك من الأشياء التي اتخذتها مثالا لبيان أن الرؤية لها سبيل لإثباته لكن بعد استقراء هذه المسألة في كتب الفقهاء وجدت أني أعرض لإثبات الملك بطريق الاستفاضة، وأن السبب في ذلك هو رؤية شيء في يد إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك.
وصورة استفاضة الملك: أن يستفيض أنه ملك لفلان من غير إضافة لسبب، فإن استفاض سببه كالبيع لم يثبت بالتسامع [5] .
(1) حاشية رد المحتار لابن عابدين: (3/ 21) ، الذخيرة: (4/ 414) ، نهاية المحتاج: (8/ 318) .
(2) راجع المصادر السابقة.
(3) جواهر الإكليل: (2/ 241) .
(4) انظر: البحر الرائق: (3/ 93) ، الوسيط: (7/ 371) ، مغني المحتاج: (3/ 144) .
(5) نهاية المحتاج: (8/ 319) .