وليدته، فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة، قالت: فلم ير سودة قط [1] .
وفي قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» تركيب يفيد الحصر ولأنه لو ثبت بالقيافة لكانت قد حصلت بما رآه من شبه المدعي بعتبة، ولم يحكم به له، بل حكم به لغيره [2] .
ويناقش هذا: بأن هذا الحديث دليل على الحنفية ومن معهم؛ لأن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «واحتجبي منه يا سودة» على سبيل الاحتياط؛ لأنه في ظاهر الشرع أخوها، فقد ألحق بأبيها، لكن لما رأى الشبه البين بعتبة بن أبي وقاص خشي أن يكون من مائة، فيكون أجنبيا عنها فأمرها بالاحتجاب منه احتياطا [3] .
واستدلوا على أن النسب يثبت لهما، ولا عبرة بقول القائف بالأثر والمعقول:
أما دليلهم من الأثر: فما روي عن توبة العنبري عن الشعبي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلين اشتركا في طهر امرأة فولدت، فدعا عمر القافة، فقالوا: أخذ الشبه منهما جميعا فجعله بينهما [4] .
ففي هذا الأثر دلالة على أن عمر أثبت نسبه من الرجلين بدعواهما، ولما لهما عليه من اليد لا بقول القافة [5] .
ويناقش هذا: بأن أحد رواة هذا الأثر متفق على ضعفه وهو: توبة العنبري، وقول ابن عمر: جعله بينهما، ليس فيه أنه ألحقه بهما، لكن الظاهر من قوله جعله بينهما أنه وضعه بينهما حتى يلوح له فيه وجه الحكم [6] .
وأما دليلهم من المعقول فقولهم: إن قول القائف رجم بالغيب مستند على مجرد الشبه والتخمين [7] .
ويناقش هذا: بأن حكم القافة يستند على علم راجح يتعلمه من طلبه وعني به [8] .
وهو رأي راجع إلى أهل الخبرة فجاز، وذلك كالتقويم في المتلفات، ونفقات الزوجات، وطرحهن الثمار، وتعيين جهة القبلة [9] .
والراجح: بعد الوقوف على وجهة نظر كل فريق ودليله ومناقشة الأدلة، القول الأول الذي يرى إمكانية العلم بالقافة كطريق لإثبات النسب وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من المعارضة، ولضعف أدلة الفريق الثاني، وأيضًا لأن القول بالقافة يناسب مقصد الشارع في التشوف إلى إثبات النسب، ولو بشهادة امرأة واحدة على الولادة. والقول بمشروعية القافة يفتح المجال للأبحاث العلمية الحديثة التي ظهرت في هذا العصر كقرينة على إثبات النسب مثل: فصيلة الدم، والحامض النووي.
(1) صحيح مسلم كتاب الرضاع - باب الولد للفراش وتوقي الشبهات، حديث رقم: (1475) - (2/ 1081) .
(2) سبل السلام: (3/ 212) .
(3) شرح النووي على صحيح مسلم: (10/ 39) .
(4) شرح معاني الآثار: (4/ 163) .
(5) المرجع السابق نفس الجزء والصفحة.
(6) المحلى لابن حزم: (10/ 151) .
(7) المبسوط: (17/ 70) .
(8) المحلى: (10/ 150) .
(9) المغني لابن قدامه: (6/ 396) .