الصفحة 41 من 55

واستحييت من ذلك، قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: «نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وما ء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه» [1] .

ففي هذا الحديث تأييد للعمل بالقافة فإخباره -صلى الله عليه وسلم- بذلك يستلزم أنه مناط شرعي، وإلا لما كان للإخبار به فائدة يعتد بها [2] .

3 -عن ابن عباس -رضي الله عنه- أن هلاك بن أمية قذف امرأته عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «البينة أو حد في ظهرك» ، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «البينة، وإلا حد في ظهرك» ، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ) )الآية، قال: فلاعنها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين [3] فهو لشريك بن سحماء» فجاءت به كذلك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» [4] .

فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أبصروها فإن جاءت به على كذا فهو لفلان، وإن جاءت على كذا فهو لفلان» يدل على اعتبار المشابهة [5] .

ونوقش هذا بأن الله تعالى شرع حكم اللعان بين الزوجين ثم نفى النسب، ولم يأمر بالرجوع إلى قول القائف، فلو كان قوله حجة لأمر بالمصير إليه عند الاشتباه [6] .

ويجاب على هذا: بأن النسب كان ثابتا بالفراش وهو أقوى ما يثبت به، فلا تعارضه القافة؛ لأنها إنما تعتبر مع الاحتمال فقط، ولاسيما بعد وجود الأيمان التي شرعها الله تعالى بين المتلاعنين، ولم يشرع في اللعان غيرها، ولهذا جعلها -صلى الله عليه وسلم- مانعة من العمل بالقافة، وفي ذلك إشعار بأنه يعمل بقول القائف مع عدمها [7] .

وقد استدل الحنفية ومن معهم من الزيدية والإمامية على عدم القول بالقافة، وأن النسب يثبت لمن تنازعوا على الطفل معا بأدلة من السنة منها:

ما رواه عروة عن عائشة أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من

(1) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحيض- باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها: (1/ 250) حديث رقم: (311) .

(2) نيل الأوطار: (7/ 82) .

(3) أكحل العينين: الذي منابت أجفانه سود كأن فيها كحل، وسابغ الإليتين: عظيمهما، وخدلج الساقين: ممتلؤهما - نيل الأوطار: (6/ 273) .

(4) صحيح البخاري كتاب التفسير- باب: «ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين» : (3/ 162) .

(5) فتح الباري لابن حجر: (8/ 303) ، نيل الأوطار: (6/ 272) .

(6) المبسوط: (17/ 70) .

(7) نيل الأوطار: (7/ 81،82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت