الصفحة 40 من 55

وخالف في ذلك الحنفية فعندهم: أن الولد ينسب في هذه الحالة لهما معا [1] . وقريب من هذا قول للزيدية [2] والإمامية [3] ، واستدل الجمهور على قولهم بأدلة من السنة والمعقول:

أ فأدلتهم من السنة:

1 -ما رواه عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «دخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم مسرورا فقال: يا عائشة: ألم تري أن مجزز المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رأسيهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» [4] .

ففي هذا الحديث دليل على ثبوت العمل بالقافة وصحة الحكم بقولهم في إلحاق الولد وذلك لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يظهر السرور إلا بما هو حق عنده [5] .

ونوقش هذا الحديث من الحنفية فقالوا:

أما فرح النبي -صلى الله عليه وسلم- وترك الرد والاعتراض فاحتمل أنه لم يكن لاعتباره قول القائف حجة بل لوجه آخر، وهو أن الكفار كانوا يطعنون في نسب أسامة -رضي الله عنه- وكانوا يعتقدون القيافة، فلما قال القائف ذلك فرح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لظهور بطلان قولهم بما هو حجة عندهم. فكان فرحه في الحقيقة بزوال الطعن بما هو دليل الزوال عندهم والمحتمل لا يصلح حجة، كما أن ثبوت نسب أسامة كان بالفراش لا بقول القائف [6] .

ويجاب عن هذا: بأنه لا يضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون أن ينكر منكرا أو يسمع ما لا يجوز ألبتة، وهو لا يسر إلا بالحق، ولا يجو أن يسمع باطلا فيقره [7] .

وإن لم يكن فيه حكم: فإن فيه دلالة على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رضيه ورآه علما؛ لأنه لو كان مما لا يجوز أن يكون حكما ما سره ما سمع منه، ولنهاه أن يعود له [8] ، أما قولهم: إن ثبوت نسب أسامة كان بالفراش فمعلوم أن الحكم بالفراش مقدم قطعا وإنما القيافة عند عدمه [9] .

2 -ما رواه قتادة أن أنس بن مالك حدثهم أن أم سليم حدثت أنها ثم سألت نبي الله -صلى الله عليه وسلم- عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل» قالت أم سليم:

(1) انظر: الهداية: (2/ 70) ، المبسوط: (17/ 69) ، البحر الرائق: (4/ 297) .

(2) البحر الزخار: (4/ 258) .

(3) شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرم: (2/ 230) .

(4) أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب النكاح- باب العمل بإلحاق القائف: (2/ 1082) حديث رقم: (1459) .

(5) شرح النووي على صحيح مسلم: (10/ 40) ، نيل الأوطار: (7/ 80) .

(6) انظر بدائع الصنائع: (6/ 372) ، المبسوط: (17/ 69،70) .

(7) المحلى لابن حزم: (10/ 149) .

(8) الأم: (6/ 266) .

(9) سبل السلام: (4/ 138) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت