الصفحة 39 من 55

الفرع الثاني

دور الرؤية في إثبات النسب عن طريق القافة

حكى ابن قدامة في كتابه: (المغني) الإجماع على صحة الشهادة بالاستفاضة في النسب ناقلا ذلك عن ابن المنذر الذي قال: فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به، إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره ولا تمكن المشاهدة فيه، ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أمه ولا أحدا من أقاربه [1] ، والنسب مبني على الاشتهار فقامت الشهرة فيه مقام السماع بنفسه [2] .

إذا كانت هذه أحد الطرق التي قواها الفقهاء لإثبات النسب فقد افترض الفقهاء مسألة يمكن وقوعها وهي في اللقيط [3] الذي يدعيه رجلان أو ثلاثة ولم تكن به بينة أو تعارضت به بينتان، فهل يثبت نسبه لأحدهم لوقوع الشبه بين اللقيط وبين أحد المدعين؟

ثار الخلاف بين جمهور الفقهاء وبين الحنفية على إثبات النسب في هذه الحالة عن طريق الشبه وهو ما يعرف بالقافة [4] ، فيرى جمهور الفقهاء: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، والأوزاعي، أن الطفل موضوع الدعوة نريه القافة فإن ألحقوه بأحدهم فهو ابنه، وهذه المسألة عرضها الفقهاء في موضعين:

أحدهما: عندما يطأ رجلان امرأة في طهر واحد بملك يمين أو بنكاح [5] .

ثانيهما: في اللقيط الذي يدعيه رجلان أو ثلاثة.

(1) المغني لابن قدامه: (12/ 23) ، كشاف القناع: (6/ 408) .

(2) بدائع الصنائع: (6/ 405) .

(3) اللقيط: طفل لا يعرف نسبه ولا رقه، نبذ أو ضل إلى سن التمييز - الإقناع للحجاوي: (3/ 53) .

(4) القافة: قوم يعرفون الإنسان بالشبه، ولا يختص ذلك بقبيلة معينة بل من عرف منه المعرفة بذلك وتكررت منه الإصابة، فهو قائف- الإقناع للحجاوي: (3/ 53) ، فالقيافة نوع علم من علمه عمل به، فيجوز أن يكون القائف من سائر العرب بل والعجم وقيل: أكثر ما يكون في بني مدلج رهط مجزز المدلجي الذي رأى أسامة وأباه زيدًا قد غطيا رأسيهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض - نهاية المحتاج: (8/ 475) ، المغني: (6/ 398) ، والفقهاء الذين قالوا بجواز إثبات النسب عن طريق القافة اشترطوا أن يكون ذكرا عدلا مجربا، ومعنى التجربة أن يترك الصبي في عشرة من رجال غير من يدعيه ويرى إياهم فإن ألحقه بواحد منهم سقط قوله، وإن لم يلحقه بواحد منهم أريانا إياه عشرين فيهم مدعيه فإن أحلقه به لحق، وهذه التجربة للاحتياط في معرفة إصابته - والأصح اشتراط إسلامه ويكفي قائف واحد لقصة مجزز- انظر: الكافي في فقه أهل المدينة: (1/ 484) ، مغني المحتاج: (4/ 488) ، المبدع: (5/ 310) ، واشترط فيه بعض الشافعية أهلية الشهادة كالبصر والسمع وعدم الحجر إلخ - فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب: (1/ 159) ، نهاية المحتاج: (8/ 375) ، وقال الشافعي رحمه الله: يكفي القائف الواحد؛ لأن هذا موضع حكم يعلم لا موضع شهادة، ولو كان إنما حكمه حكم الشهادات ما أجزنا غير اثنين ولا أجزنا شهادة اثنين يشهدان على ما لم يحضرا ولم يريا ولكنه كاجتهاد الحاكم العالم، ولا يقبل قول القائف الواحد إلا أن يكون أمينا ولا أكثر منه حتى يكونوا أمناء - الأم: (6/ 265) ، وعلى كل حال فإن القافة إذا لم تعتبر شهادة تمامًا فهي من قبيل الشهادة وإن كان الراجح أنها شهادة؛ لأنها إخبار يثبت به حكم وهو النسب.

(5) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة: (1/ 484) ، بداية المجتهد: (2/ 269) ، روضة الطالبين: (5/ 439) ، المبدع: (5/ 310) ، المغني: (6/ 395) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت