أما كيفية تحققها فيتضح من تفسير الفقهاء لها، فقد فسرها محمد بن الحسن من الحنفية [1] وأكثر المالكية [2] والصحيح عند الشافعية [3] والحنابلة [4] : أن يشتهر ذلك ويستفيض وتتواتر به الأخبار عنده من غير تواطؤ؛ لأن الثابت بالتواتر والمحسوس بحس البصر والسمع سواء، فكانت الشهادة بالتسامع شهادة عن معاينة [5] ، ولأن هذا هو الذي يقتضيه لفظ الاستفاضة فإنها مأخوذها من فيض الماء لكثرته [6] ، ويشترط في الاستفاضة هذا الجمع الكثير بحيث يقع العلم أو الظن بخبرهم؛ لأن الأصل في الشهادة اعتماد اليقين، وإنما يعدل عنه عند عدم الوصول إليه إلى ظن يقترب منه على حسب الطاقة [7] .
يؤخذ من هذا أن الفقهاء قد اشترطوا لثبوت شهادة الاستفاضة أن يكون من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب. وذكر الخصاف من الحنفية وقول عند المالكية والقول المرجوح عند الشافعية والقاضي من الحنابلة أنه يكفي التسامع من عدلين إذا سكن القلب لخبرهما [8] ، واستندوا لهذا بحكم الحاكم وشهادته، فإنه يحكم بشهادة شاهدين من غير معاينة منه بل بخبرهما [9] .
لكن الأول أصح:
لأنه لو اكتفى باثنين لاشتراط فيه ما يشترط في الشهادة على الشهادة، وإنما اكتفى فيها بمجرد السماع [10] ، ويشترط في هذه الشهادة أن تكون على الثبات والقطع دون التفصيل والتقيد بأن يقول: إني لم أعاين ذلك ولكن سمعت من فلان كذا وكذا [11] .
(1) بدائع الصنائع: (5/ 405) .
(2) جواهر الإكليل: (2/ 242) .
(3) نهاية المحتاج: (8/ 319) .
(4) المبدع: (10/ 197) .
(5) بدائع الصنائع: (6/ 405) .
(6) المغني: (12/ 24) .
(7) الإقناع للشربيني: (2/ 640) وقد فسر الدميري من الشافعية الفرق بين الخبر المستفيض والخبر المتواتر: أن المتواتر هو الذي بلغت رواته مبلغا أحالت العادة توطأهم على الكذب، والمستفيض الذي لا ينتهي إلى ذلك بل أفاد الأمن من التواطؤ على الكذب، والأمن معناه: الوثوق وذلك بالظن المؤكد - إعانة الطالبين: (4/ 301) .
(8) بدائع الصنائع: (6/ 405) ، الخرشي: (7/ 206) ، نهاية المحتاج: (8/ 319) ، المبدع: (10/ 197) .
(9) بدائع الصنائع: (6/ 405) .
(10) المبدع: (10/ 197) .
(11) انظر المراجع السابقة، مواهب الجليل للحطاب: (6/ 192) .