فيما إذا دخل البيت فرآه فيه وعلم أنه ليس به أحد غيره ولا منفذ آخر غير الباب، وهو قد جلس عليه وسمع الإقرار أو البيع فإنه حينئذ يجوز له الشهادة عليه بما سمع؛ لأنه حصل به العلم في هذه الصورة [1] .
ويناقش هذا: بأن الأصوات إن كانت تشتبه فالصور أيضًا قد تشتبه، ومن أشهد خلف حائط أو في ظلمة فأيقن بلا شك بمن أشهده فشهادته مقبولة في ذلك [2] .
ويجاب عن هذا القول: بأن المقصود العلم المشهود عليه ومعرفة القائل، ولا طريقة للمعرفة في الظلمة أو من وراء أي حائط.
الرأي الثاني:
أن الأقوال لا يصح الشهادة عليها إلا بسماعها ومعانية قائلها، وهذا رأي أبي حنيفة، ومحمد، ومذهب الشافعية [3] .
ووجه هذا القول على النحو التالي:
1 -أنه لا بد من معرفة المشهود له والإشارة إليه عند الشهادة [4] .
ويناقش هذا: بأن القول بقبول الشهادة على الأقوال بالسماع فقط مشروط بمعرفة القائل يقينا [5] .
2 -أن السمع لا يحصل به الإدراك، أي: المعرفة يقينا، بل يفيد غلبة الظن، واجتماع السماع مع المعاينة طريق إلى العلم بالمشهود عليه من أقصى جهاته الممكنة [6] .
ويناقش هذا الاستدلال لهم بنفس المناقشة السابقة.
الرأي الثالث:
أن الشهادة على الأقوال تصح بالسماع فقط، وهذا قول المالكية، والظاهرية، أخذا من رأيهم في حكم شهادة الأعمى، ولم يذكر لهما دليل مستقل لهذه المسألة [7] .
والراجح - والله أعلم - رأي جمهور الفقهاء القائل باشتراط الرؤية مع السماع للشهادة على الأقوال، والاكتفاء بالسماع في حالة معرفة القائل يقينا؛ ليحصل التمييز بين صوت القائل وغيره.
(1) شرح فتح القدير: (7/ 384) .
(2) المحلى بالآثار: (8/ 234) .
(3) انظر: بدائع الصنائع: (6/ 405) ، الحاوي الكبير للماوردي: (21/ 42) .
(4) بدائع الصنائع: (6/ 405) .
(5) المبدع: (10/ 194) ، السيل الجرار: (4/ 215) .
(6) انظر: الحاوي الكبير للماوردي: (21/ 42) ، إعانة الطالبين: (4/ 299) .
(7) انظر: حاشية الدسوقي: (4/ 176) ، المحلى بالآثار: (8/ 533) .