المبحث الثالث
مدى اشتراط الرؤية فيما يثبت بالسماع
المشهود عليه إما أن يكون فعلا أو قولا، والرؤية تختص بالأفعال كالقتل، والسرقة، والزنا، والرضاع، والاستهلال، وغيرها، والأقوال: يشترط في الشهادة عليها السمع [1] .
والسماع ضربان: سماع من المشهود عليه، كالطلاق، والعتاق، والإبراء، والعقود، وحكم الحاكم، وإنفاذه والإقرار، وغيرها.
وسماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه غالبا بدونها كالنسب، والموت، والملك المطلق، والنكاح، وما أشبه ذلك [2] .
والحديث على ما يثبت من جهة السماع يحتوى على مطلبين، بيانهما على النحو التالي:
المطلب الأول
حكم رؤية المشهود عليه إذا كان قولا [3] .
الرؤية والسماع هما الأغلب لمستند علم الشاهد، والرؤية مشروطة في الشهادة على الأفعال، فلا يصح أن يشهد فيها إلا إذا شاهدها ببصره؛ لأنه قد يصل إلى العلم بها من أقصى جهاتها، وهي: المشاهدة، وسبق بيان الرؤية المعتبرة في الأفعال كالقتل، والسرقة، والزنا.
أما الأقوال كالعقود من البيوع والإجارات أو الإقرار أو الطلاق فقد ثار الخلاف بين الفقهاء في اشتراط رؤيتها إضافة إلى سماعها عند الشهادة عليها، وذلك على النحو التالي:
الرأي الأول:
يرى جمهور الفقهاء أنه لا يصح أن يشهد بها إلا قطعا بالسماع والمعاينة إلا أن يكون الشاهد ممارسا لذلك القائل بحيث يعلم علما يقينيا أن القول قوله، ولا يمتري في ذلك لوجه فإنه لا يحتاج حينئذ إلى مشاهدة القائل.
وهذا قول عند الحنفية والروياني من الشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية [4] .
ووجه قولهم هذا: أن ما كان إدراكه ممكنا بإحدى الحواس يمتنع العمل فيه بغلبة الظن؛ لجواز تشابه الأصوات، وقد يحاكي الإنسان صوت غيره فيشتبه به [5] ، فلا يتحقق العلم به، غير أن رؤيته طريق العلم به، فإذا فرض تحقق طريق آخر للعلم به جاز، وتصوير هذه المسألة كما يلي:
(1) لا خلاف بين الفقهاء في اشتراط السمع في الشاهد خاصة ما يثبت به من الأقوال، وتجوز شهادة الأصم في الأفعال؛ لأنه يبصرها ببصره دون الأقوال لتوقف ضبطها على السمع وهو معدوم منه، فلا تقبل شهادته في الأقوال ما لم يكن سمعها قبل الصمم وإلا جازت. انظر حاشية الدسوقي: (4/ 167) ، نهاية المحتاج: (8/ 316) ، المبدع شرح المقنع: (10/ 237) ، خلافا للحنفية الذين اشترطوا العلم المشتمل على السمع والبصر وذكر في كتاب البحر الرائق أن الأصم وهو ما لا يسمع البتة لا تقبل شهادته - البحر الرائق: (6/ 283) .
(2) الإقناع للحجاوي: (4/ 496) .
(3) يعني بالقول: الألفاظ المفردة التي يبنى الكلام عليها - لسان العرب: (5/ 3777) .
(4) انظر: شرح فتح القدير: (7/ 384) ، مغني المحتاج: (4/ 565) ، الكافي: (4/ 284) ، السيل الجرار: (4/ 215) ، الروضة البهية: (3/ 135) .
(5) نهاية المحتاج: (8/ 316) .