الصفحة 32 من 55

ووجه الدلالة منه أنه -صلى الله عليه وسلم- أمر عقبة بفراق امرأته بقول الأمة المذكورة، فلو لم تكن شهادتها مقبولة ما عمل بها [1] .

ونوقش هذا الحديث بأنه محمول على الندب، فالرجال هم أصل الشهادة وإثبات الحقوق، فكل موضع يجوز فيه قبول شهادة النساء جاز في إثباته شهادة الرجال، فيجوز نظر الرجل إلى عورة المرأة للشهادة لها أو عليها [2] .

وأجاب ابن حزم عن ذلك بأن هذا النهي تحريم [3] ؛ لأن القول بالاستحباب خلاف الظاهر، فقد تكرر سؤاله للنبي -صلى الله عليه وسلم- أربع مرات، وأجابه بقوله: كيف وقد قيل؟! ولو كان من باب الاحتياط لأمره بالطلاق مع أنه في جميع الروايات لم يذكر الطلاق، فيكون هذا الحكم مخصوصا من عموم الشهادة المقيد فيها العدد، وقد اعتبرتم ذلك في عورات النساء فقلتم: يكتفى بشهادة امرأة واحدة، والعلة عندكم فيه أنه قلما يطلع الرجال على ذلك فالضرورة داعية إلى اعتباره، فكذا هنا [4] .

ثانيا: الدليل من المعقول:

تعمد النظر إلى ثدي المرضعة محظور على غير محرم أو زوج ولا يمكنه أن يشهد على رضاعها بغير رؤية ثديها [5] .

ويناقش هذا بأنه يجوز النظر إلى الثدي للشهادة على الرضاع [6] . وقيل: إن الثدي قد يلحق بالوجه؛ لأنه قد يبدو كثيرا فأمره أخف [7] .

ويجاب عن هذا: بأن النظر إلى الثدي وإن لم يكن في التحريم كالعورة المغلظة فإن هذه الشهادة لا تكون إلا بظهور الثدي والنحور، وهذه المواضع من محاسن النساء التي قد فرض الله سترها عن الرجال الأجانب [8] .

واستدل الحنفية والشافعية على عدم قبول شهادة النساء في الشهادة على الرضاع بالأثر والمعقول.

فدليلهم من الأثر: ما روي عن عكرمة بن خالد المخزومي أن عمر -رضي الله عنه- أتى في امرأة شهدت على رجل وامرأة أنها أرضعتهما، فقال: لا، حتى يشهد رجلان أو رجل وامرأتان [9] .

فقد دل هذا الأثر على ثبوت الرضاع بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين.

وأدلتهم من المعقول هي:

أ يجوز لذي الرحم المحرم منها النظر إلى ثديها فهو مما يجوز أن يراه الرجال المحارم منها فلا يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد [10] .

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر: (5/ 268) .

(2) مختصر اختلاف العلماء للطحاوي: (3/ 348) ، مجمع الأنهر: (1/ 380) .

(3) المحلى: (9/ 403) .

(4) سبل السلام: (3/ 218) .

(5) المدونة الكبرى: (2/ 300) ، الشرح الكبير للرافعي: (13/ 47) ، الإنصاف: (12/ 85) .

(6) الإقناع: (2/ 406) .

(7) الوسيط: (5/ 32) .

(8) مواهب الجليل للشنقيطي: (3/ 230) ، الحاوي الكبير: (11/ 401) ، الكافي: (4/ 504) .

(9) سنن البيهقي: (7/ 464) .

(10) انظر: بدائع الصنائع: (4/ 20) ، تبيين الحقائق: (2/ 187) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت