الصفحة 30 من 55

ويناقش استدلالهم بهذا الحديث: بأن الستر المندوب إليه هو الستر على ذوي الهيئات ممن ليسوا معروفين بالأذى والفساد، أما المجاهر بالمعصية فيستحب ألا يستر عليه، وعلى ذلك كل ما كان في تركه حرمة يفوت استدركها مثل أن يخبره من يثق به أن رجلا خلا بامرأة ليزني بها فيجوز لهم في هذه الحالة النظر إليها حذرا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات، بشرط ألا يترتب على ذلك مفسدة، وفي الشهادة إقامة للحدود، ومن أجل ذلك أبيح النظر؛ لأنه لا يتم بدون ذلك [1] .

ودليلهم من المعقول: أن القول بحل النظر إلى الفرج هنا مناقض بعدم إجازته في اختلاف الزوجين في عيوب الفرج وكذا إذا اختلفا في الإصابة وهي بكر أنه تصدق ولا ينظرها النساء [2] .

وقد أجاب ابن عرفة عن هذا بثلاثة أوجه:

الأول: أن الحد حق لله وثبوت العيب حق للآدمي، وحق الله آكد.

الثاني: الذي كان لأجله النظر وهو الزنا محقق الوجود أو راجحة، وثبوت العيب بخلاف ذلك.

الثالث: المنظور إليه في الزنا مغيب الحشفة ولا يستلزم ذلك من الإحاطة بالنظر إلى الفرج ما يستلزمه بالنظر إلى العيب [3]

وذكر علماء المالكية تعليلا آخر هو: أن الاسترسال على الزنا محرم إجماعا بخلاف المكث مع العيب فإنه لا حرمة مع وجوده، ولأن النظر للفرج في الزنا فيه رفع منكر، فلا يضر قصد النظر بل يجوز قصد النظر [4] .

والدليل الثاني من المعقول: أن ستر العورة وستر الفواحش كليهما مقصودان، فستر العورة من المروءات الواجبة، ومطلوب الشارع إخلاء الأرض من الفواحش، فيختص تحمل الشهادة بما إذا وقع البصر عليه مصادفة [5] .

ويناقش هذا: بأن النظر إلى السوأتين هنا للحاجة، وهي: الشهادة على الزنا، فلم يكن التكشف فيه هتكا للمروءة [6] .

وإذا كان مطلوب الشارع إخلاء الأرض من الفواحش وذلك يتحقق بالتوبة وبالزجر، فإذا ظهر الشره في الزنا وعدم المبالاة به بإشاعته، فإخلاء الأرض بالتوبة احتمال يقابله ظهور عدمها، فيجب تحقيق السبب الآخر وهو الحد، ومن الطريق لإقامته بيان الكيفية التي وقع بها الزنا، ولا سبيل إلى التحقق من هذه الكيفية إلا بالنظر، ومن أجل ذلك أبيح النظر إلى السوأتين [7] .

والراجح - والله أعلم - رأي جمهور الفقهاء القائل بإباحة النظر للشهادة على الزنا، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكتف بإقرار المقر بالزنا وإنما صور هذا الأمر في صورة حسية، وهو أبلغ ما يكون في الاستفصال مما يدل على إباحة النظر للتثبت من هذه الكيفية التي أرشد إليها الرسول -صلى الله عليه وسلم- [8] .

(1) انظر: شرح فتح القدير: (8/ 463) ، الأحكام السلطانية للماوردي: (ص296) ، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: (ص224) .

(2) مواهب الجليل للحطاب: (6/ 179) .

(3) المرجع السابق نفس الجزء والصفحة.

(4) الخرشي على مختصر خليل: (7/ 199) ، حاشية الدسوقي: (4/ 186) .

(5) الوسيط للغزالي: (5/ 38) ، المهذب: (2/ 335) .

(6) المرجع السابق: (5/ 37) .

(7) شرح فتح القدير: (8/ 463) .

(8) نيل الأوطار: (7/ 99) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت