الصفحة 28 من 55

ذلك منها»؟ قال: نعم، «كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر» ؟ قال: نعم، قال: «فهل تدري ما الزنا؟» قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: «فما تريد بهذا القول؟» قال: أريد أن تطهرني، فأمر به فرجم [1] .

ففي هذا الحديث نجد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر هذا اللفظ صريحا ولم يكن عنه بلفظ آخر كالجماع؛ لاحتمال حمل الجماع على مجرد الاجتماع، ولم يكتف بإقرار المقر بالزنا بل استفهمه بلفظ لا أصرح منه في المطلوب وهو لفظ: (النيك) الذي كان -صلى الله عليه وسلم- يحاشي عن التكلم به في جميع حالاته، ولم يسمع منه إلا في هذا الموطن، ثم لم يكتف بذلك بل صوره تصويرا حسيا ولا شك أن تصوير الشيء بأمر محسوس أبلغ في الاستفصال من تسميته بأصرح أسمائه وأدلها عليه [2] .

وقد علل الفقهاء لاشتراط هذه الكيفية في الشهادة على الزنا بما يلي:

1 -لاحتمال كون الشهود إنما أرادوا به الجماع فيما دون الفرج؛ لأن ذلك يسمى جماعا حقيقة أو مجازا وهذا لا يوجب الحد [3] .

2 -ولأن مدار الشرع على الستر فضيق الأمر فيه حتى لا يوجد على هذا النمط إلا القليل جدا، وهذا من أعظم الأدلة على طلب الشرع لستر الفواحش [4] ، ويترتب على الشهادة على الزنا بهذه الكيفية النظر إلى فرج الزانيين حال ارتكاب هذه الفاحشة وبيان ذلك في المسألة التالية:

المسألة الثانية

حكم النظر إلى العورة المغلظة للشهادة على الزنا

يرى جمهور الفقهاء: (الحنفية [5] والمالكية [6] والشافعية [7] في الراجح عندهما، والحنابلة [8] والظاهرية [9] إباحة النظر لغرض الشهادة على الزنا.

وخالفهم في ذلك ابن هارون من المالكية [10] وأبي سعيد الأصطخري من الشافعية [11] .

(1) أخرجه أبو داود بهذا اللفظ في سننه - كتاب الحدود- باب رجم ماعز بن مالك: (4/ 148) حديث رقم: (4428) ، وأخرجه البخاري بمعناه، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة - باب: هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست أو غمزت: (4/ 178) .

(2) نيل الأوطار: (7/ 100) .

(3) بدائع الصنائع: (7/ 72) .

(4) انظر: مواهب الجليل للحطاب: (6/ 179) ، الخرشي على مختصر خليل: (7/ 199) .

(5) البحر الرائق: (8/ 352) .

(6) حاشية الدسوقي: (4/ 186) .

(7) نهاية المحتاج: (6/ 198) .

(8) الإقناع للحجاوي: (4/ 224) .

(9) المحلى: (10/ 32) .

(10) مواهب الجليل من أدلة خليل للحطاب: (6/ 179) ط. دار إحياء التراث الإسلامي.

(11) روضة الطالبين: (7/ 30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت