والمراد بالستر هنا: الذي يكون في معصية قد انقضت، والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها فيجب الإنكار عليه [1] .
2 -ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لرجل من أسلم يقال له هزال: «يا هزال، لو سترته بردائك لكان خيرا لك» [2] .
ففي هذا الحديث دلالة على الحض على الستر ما لم يجاهر صاحب المعصية بفعله إياها.
واعتمد ابن نجيم على ما ذهب إليه من جواز الشهادة على الحدود على أن الشهادة إقامة للحسبة فهي من النهي عن المنكر لما فيها من إزالة الفساد أو تقليله [3] .
والراجح - والله أعلم- هو الندب للستر؛ لما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لهزال: «يا هزال، لو سترته بردائك لكان خيرا لك» وقد كان قال لماعز: بادر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن ينزل فيك قرآن [4] .
ومما يدلل على ترجيح استحباب الستر أيضًا أنه يستحب للإمام وغيره التعريض بالوقوف عن الشهادة [5] .
المسألة الثانية
أن يكون المشهود عليه مجاهرا بالمعصية معلنا لها
لا خلاف بين الفقهاء [6] في وجوب كون الشهادة أولى من تركها إذا وصل الحال بالمشهود عليه إلى إشاعة المعصية والتهتك بها، واستدلوا على هذا بأدلة من السنة النبوية والمعقول.
أولا: من السنة:
ما أخرجه البخاري في صحيحة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، علمت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» [7] .
ففي الحديث دلالة على أن من قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربه فلم يستره، ومن قصد التستر بها حياء من ربه ومن الناس منَّ الله عليه بستره إياه [8] .
(1) فتح الباري لابن حجر العسقلاني: (5/ 121) .
(2) سنن أبي داود كتاب الحدود- باب في الستر على أهل الحدود (4/ 134) حديث رقم: (4377) ، وهو حديث صحيح كما جاء عن يحيى بن سعيد- انظر موطأ مالك: (2/ 821) حديث رقم (3) .
(3) انظر: البحر الرائق: (7/ 99) ، المحرر في الفقه: (2/ 243) .
(4) سنن أبي داود- كتاب الحدود- باب في الستر على أهل الحدود (4/ 134) حديث رقم (4377) ، وهو حديث صحيح كما جاء عن يحيى بن سعيد - انظر موطأ مالك: (2/ 821) حديث رقم (3) .
(5) المغني: (12/ 374) .
(6) انظر: البحر الرائق: (5/ 5) ، شرح فتح القدير: (5/ 215) ، مواهب الجليل للحطاب: (6/ 164) ، الحاوي الكبير للماوردي: (17/ 353) ط. دار الفكر، المبدع: (10/ 503) .
(7) أخرجه البخاري في صحيحه- كتاب الأدب - باب ستر المؤمن على نفسه: (4/ 61) .
(8) فتح الباري: (10/ 503) .