المسألة الأولى
أن يكون المشهود عليه مستور الحال لم يتهتك بالمعصية
إذا كان المشهود عليه مستترا في ارتكابه للمنكر فقد اتفق الفقهاء [1] على أن الستر مندوب إليه في حالة المستتر بذنبه ما لم يدع الشاهد إلى الشهادة وإلا وجبت، وخالف في هذا ابن نجيم من الحنفية [2] ، وقول عند الحنابلة [3] . فذكروا أن الشهادة في هذه الحالة أمر مستحب يتساوى فيه الطرفان ولا ينافي ذلك أن عدم الستر جائز [4] .
واستند جمهور الفقهاء على القول بالستر على غير المجاهر بالمعصية بأدلة من القرآن والسنة والمعقول.
أولا: من القرآن:
قوله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) ) [5] .
فهذه الآية الكريمة تدل على حسن الاعتقاد في المؤمنين، ومحبة الخير والصلاح والزجر عن إشهار الفاحشة واستنباطها بدقائق الحيل والحكم بالظن والحسبان [6] .
وناقش ابن نجيم استدلالهم بهذه الآية الكريمة: أن ظاهرها أنهم يحبون ذلك؛ لأجل إيمانهم، وذلك صفة الكافر، ولأن مقصود الشاهد ارتفاعها لا إشاعتها [7] .
ويجاب عليه: أن ما لم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يهتك الأستار، فالذنب ما دام مستورا فمعصيته على صاحبه خاصة [8] .
ثانيا: الأدلة من السنة النبوية:
1 -عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من ستر مسلما ستره الله عز وجل يوم القيامة» [9] . أي: رآه على قبيح فلم يظهره للناس، وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينهما، ويحمل الأمر على جواز الشهادة عليه بذلك على ما إذا أنكر عليه ونصحه فلم ينته عن قبيح فعله ثم جاهر به.
(1) انظر: البحر الرائق: (5/ 5) ، حاشية الدسوقي: (4/ 175) ، الأم: (6/ 149) . كشاف القناع: (6/ 103) ، المحلى: (11/ 282) .
(2) البحر الرائق: (7/ 99) .
(3) المحرر في الفقه لمجد الدين أبي البركات: (2/ 243) ط. مكتبة المعارف 1404هـ.
(4) البحر الرائق: (7/ 99) .
(5) سورة النور من الآية 19.
(6) أحكام القرآن للكيا الهراسي: (4/ 309) ط. دار الكتب العلمية.
(7) البحر الرائق: (7/ 100) .
(8) انظر: الأحكام السلطانية والولايات الدينية للماوردي: (ص23) ط. المكتبة التوفيقية، مجموعة الفتاوى لابن تيمية: (28/ 121) ط. مكتبة ابن تيمية.
(9) أخرجه البخاري في صحيحه- كتاب المظالم- باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه: (2/ 66) .