ففي هذه الآية دلالة على جواز تحمل الشهادة على الزنا، فالألف والسين والتاء تدل على طلب الشهود الذي يترتب عليه تحمل الشهادة، ومن لوازم هذا التحمل النظر إلى العورة.
وخالف في ذلك المالكية فهم يرون أن استدعاء الرجل شهودا لتحمل الشهادة على زنا زوجته مكروه، والفراق مع الستر أفضل وأولى [1] .
أما أداء الشهادة: فهو أن يدعى ليشهد بما علمه واستحفظ إياه [2] .
والمشهود عليه إما أن يكون حقا لآدمي أو حقا لله تعالى، وبيان ذلك كما يلي:
أولا: حكم أداء الشهادة إذا كان المشهود عليه حقا لآدمي [3] :
يرى جمهور الفقهاء من: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، والزيدية أن الشاهد إذا تحمل شهادة قائمة على حقوق العباد وأسبابها كالحقوق المالية والنكاح وغيره من العقود يلزمه أداء الشهادة لله سبحانه وتعالى، ولابد من طلب المشهود له لوجوب الأداء؛ لأن الشهادة هنا حق لآدمي فلا تستوفى إلا بعد مطالبته وإذنه؛ ولأنها حجة على الدعوى ودليل لها فلا يجوز تقدمها عليها [4] .
واستدلوا على هذا بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية:
أولا: الأدلة من القرآن الكريم:
1 -قوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ) ) [5] ، أي: تقربا إلى الله إقامة الشهادة على وجهها، إذا مست الحاجة إليها من غير تبديل ولا تغيير [6] .
2 -قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ) ) [7] .
فقد دلت هذه الآية الكريمة على المبالغة في القيام بالعدل لما فيه من حفظ حقوق الخلق [8] .
3 -قوله تعالى: (( وَلاَ يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ) ) [9] .
يعني: دعوا لإثبات الشهادة فإذا ثبتت شهادتهم ثم دعوا لأقامتها عند الحاكم فهذا الدعاء هو بحضورهم عند الحاكم [10] .
(1) مواهب الجليل: (6/ 166) .
(2) معين الحكام: (1/ 69) .
(3) حق الله: ما ليس للمكلف إسقاطه كالحدود، وحق الآدمي: ما له إسقاطه كالدين والقصاص، حاشية الدسوقي: (4/ 174) .
(4) انظر: بدائع الصنائع: (6/ 190) ، مواهب الجليل للحطاب: (6/ 165) ، الأم: (4/ 97) ، الفروع لابن مفلح: (6/ 475) ط. عالم الكتب، المحلى: (9/ 434) ، السيل الجرار: (4/ 190) ، شرح كتاب النيل: (13/ 147) .
(5) سورة الطلاق من الآية 2.
(6) أحكام القرآن للقرطبي: (9/ 121) .
(7) سورة النساء من الآية 135.
(8) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (3/ 281) .
(9) سورة البقرة من الآية 282.
(10) أحكام القرآن للقرطبي: (2/ 1021) .