الصفحة 17 من 55

أما حكم رؤية المنكر لتحمل الشهادة، فتفصيله على النحو التالي:

المنكر: هو كل فعل أو قول أو قصد قبيح شرعا [1] .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الثابتة في الشريعة الإسلامية، فالغرض المقصود للشارع أقامة منار الدين وتثبيت العباد على صراطه المستقيم، ودفعهم عن مخالفته والوقوع في مناهيه [2] .

كما أمر الله سبحانه وتعالى بالستر على عباده فينبغي لكل مسلم أن يسكت عما يراه من أحوال الناس إلا ما كان في حكايته فائدة لمسلم أو دفع معصية، كأن يرى المشهود عليه على المعصية وهو لا يزال متلبسا بها، فحكمه في هذه الحالة كما يرى جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية: وجوب المبادرة بإنكارها عليه، ومنعه منها على من قدر على ذلك، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة [3] .

وسند قولهم هذا: ما روي عن عقبة بن عامر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة» [4] .

ففي الحديث دليل على الحض على الستر، وفيه تشبيه المسلم الذي يرى عيبا أو أمرا قبيحا في مسلم فيستره كمن يرى أحدا يريد وأد بنت فمنع أو سعى في خلاصها ولو بحيلة، ووجه الشبه أن الساتر دفع عن المستور الفضيحة بين الناس التي هي كالموت [5] .

ولا يتعارض القول السابق مع إباحة نظر الشهود لعورة المرأة والرجل حال الجماع؛ لإقامة الشهادة عليهما في الزنا؛ ليحصل الردع بالحد، فكل من نظر ليثبت شهادته لله أو للناس فليس بمجروح الشهادة، ومن نظر لتلذذ وغير شهادة عامدا كان جرحا في شهادته، فيجوز لكل منهم وقت التحمل النظر للعورة؛ ليعلم كيف يؤدي الشهادة [6] ، كذلك لو دعى رجل أربعة من الشهود لتحمل الشهادة على زنا زوجته جاز [7] لقوله تعالى: (( وَاللاَّتِي يَاتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ) ) [8] .

(1) معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة (ص72) ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1976م.

(2) السيل الجرار: (3/ 331) .

(3) انظر: البحر الرائق: (5/ 42) ، مواهب الجليل للحطاب: (6/ 166) ، إعانة الطالبين: (2/ 46) ، الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح: (1/ 200) ط. دار الوفاء بالمنصورة، المحلى: (11/ 282) ، السيل الجرار: (3/ 331) .

(4) سنن أبي داود كتاب الأدب- باب في الستر على المسلم: (4/ 273) - حديث رقم: 4891، المستدرك للحاكم: (4/ 426) ، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

(5) عون المعبود شرح سنن أبي داود: (13/ 160) ط. دار الكتب العلمية.

(6) انظر: البحر الرائق: (7/ 59) ، حاشية الدسوقي: (4/ 186) ، الأم: (7/ 88) ، منار السبيل لابن ضويان: (2/ 329) ط. المكتب بالإسلامي.

(7) المبدع: (10/ 192)

(8) سورة النساء جزء من الآية 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت