فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 34

لذا عظم الإسلام العهود ورغب فيها وشرعها, وآثر فض المنازعات الجماعية عن طريقها، وتحقيق الأغراض والغايات الإنسانية النبيلة بواسطتها, بل إن نشر الدعوة الإسلامية في أرجاء المعمورة لا يتم إلا في ظلها, وفي ربوع الأمن والسلام المتحقق بها.

وما أكثر النصوص الشرعية الدالة على مبدأ مشروعية المعاهدات مع الأعداء في السلم والحرب، في إطار من الشروط المتفق عليها بالتراضي والاختيار، من تلك النصوص قوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ) [1] , وقوله: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) [التوبة: 7] ، وقوله: (إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) [النساء: 90] ، وقوله: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [الأنفال: 61] ، وقوله: (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) [الأنفال: 72] ، وقوله: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ) [التوبة: 4] .

كل ذلك يدل على قدسية المعاهدات وضرورة الوفاء بها.

وجاءت السنة النبوية القولية والفعلية مؤكدة هذه المعاني، ففي الصلح المؤقت «الهدنة أو الموادعة» : روى أبو داود في «سننه» عن رجل من جهينة: أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لعلكم تقاتلون قومًا، فتظهرون عليهم، فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم -نسائهم وأولادهم الصغار- فيصالحونكم على صلح فلا تصيبوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يصلح لكم.

وقال -صلى الله عليه وسلم- قبيل صلح الحديبية: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله, إلا أعطيتهم إياها» [2] .

وفي الصلح المؤبد أو المطلق «عقد الذمة» : روى أبو داود والبيهقي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إلا من ظلم معاهدًا أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة» .

وروى الخطيب البغدادي في «تاريخه» عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-, عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من آذى ذميًّا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة» وهو حديث حسن.

وفي عقد الأمان الفردي من المسلم, أو الجماعي من فئة أو من قائد أو إمام حاكم, قال -عليه الصلاة والسلام-: «أيما رجل من أقصاكم أو أدناكم، من أحراركم أو عبيدكم, أعطى رجلًا منهم أمانًا،

(1) التوبة آية: 1.

(2) نيل الأوطار 8/ 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت