والعرف السائد اليوم يوحي إلينا بأن نميز «العهد» عن «العقد» بإضفاء سمة الإجلال والسمو والتعظيم للعهد، وتخصيصه بالعقد الموثق بقصد الوفاء به بنحو مؤكد سواء تم توثيقه بالكتابة, أو باليمين, أو بغيرها من وسائل التوثيق، فكل اتفاق هو عقد, وليس كل «عقد» عهد.
وسمي عقد الزواج في القرآن الكريم ميثاقًا غليظًا, وكذلك يملي علينا العرف الدولي القائم تمييز «العهد» عن «المعاهدة» , فإن «العهد» أوسع معنى من «المعاهدة» , فكل معاهدة هي عهد, وليس كل عهد معاهدة, والعهد كما بينا: هو كل اتفاق لها طرفين على التزامه لمصلحة مشتركة، أو: هو العقد الموثق بالكتابة, أو اليمين, أو بأي ضمان آخر يمنح طرفيه الثقة بتنفيذه, والوفاء بشروطه, وهو يشمل ما قد يكون بين شخصين؛ مثل: عهد الأمان الصادر من المسلم للحربي الذي يطلب الأمان، كما يشمل؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ مثل حماية القبيلة, أو شيخها للذي يمثلها لمن يستجير بها، ويستغيث بنجدتها وتأييدها، وقد يكون بين جماعتين, أو دولتين؛ كعهود الصلح المؤقت «الهدنة» , والصلح الدائم أو المؤيد «عقد الذمة» .
أما المعاهدة فهي محصورة الآن بين دولتين، لا بين الأفراد والجماعات، وموضوعها محصور في حكم علاقة دولية معينة ذات طابع قانوني، أي: إنها ذات معنى معين خاص ضيق من حيث الطرفان والموضوع.
وحينئذ يمكن تعريف المعاهدة في الاصطلاح الفقهي الإسلامي الحالي بأنها: اتفاق صادر بين دار الإسلام أو دولة إسلامية مع دولة أخرى، أو جماعة معينة غير مسلمة لتنظيم علاقة قانونية ذات طابع دولي فيما بينهما. أما المسائل الجزئية الجانبية ذات الأهمية المحدودة, فلا تنظمها المعاهدة حتى يكون لها طابع العنصر الدولي المهم. ومن أمثلة تلك الجزئيات: أمر الإمام الحاكم بإنهاء الحرب مع مدينة معينة أو شعب مجاور، ومثل: اتفاقية تبادل الأسرى, ونحو ذلك. أما الاتفاقيات الدولية في معاملة الأسرى, وقواعد الحرب, وأحوال مشروعية القتال, أو استخدام القوة, فلها سنة المعاهدة بالمعنى الشائع الآن بين الدول.
ثانيًا: أهمية المعاهدات والمواثيق ومشروعيتها:
المعاهدات والمواثيق تضفي على أعمال الأمم والشعوب والدول والأفراد عنصر الثقة والاطمئنان، وتعمل على تخفيف حدة التوتر في العالم، وتكفل إلى حد بعيد تنفيذ الشروط والبنود وتحقيق المصلحة في وقت محدد، يعود على الطرفين بالخير والهدوء والراحة.
وبالمعاهدة يحل السلم محل الحرب، والأمن محل القلق والخوف، والحب والصفاء بدل الكراهية والكيد، وينعم الناس بنعمة الحرية التي لا قيود لها, فيتفرغون لشئون المعيشة، وإنعاش الزراعة, والحفاظ على المواسم، وتنمية التجارة, وفتح الأسواق أمام الصادرات والواردات، وتبادل المنتجات، وتقدم الصناعة وتطورها وتوجيهها وجهة لخير الإنسان وصالحه ونفعه، فتكون أداة تفاهم وود، وتقدم وحضارة, ورفاهية وسعادة.