فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 34

والواقع أن هذه المعاهدة تعد مثلًا رائعًا من أمثلة الحفاظ على حقوق غير المسلمين، حتى أنه لم يرض عمر بأداء الصلاة في كنيسة القيامة، خشية أن يقتدي به المسلمون، ويقولون: هنا صلى عمر، فتصبح الصلاة في داخل الكنيسة حقًّا، وقد يؤدي ذلك إلى الاستيلاء على الكنيسة.

وفيها أيضًا إقرار حرية التدين والتنقل، وأما تكليفهم بأداء الجزية (الضريبة على الأشخاص) القليلة المقدار (من دينار إلى أربعة دنانير في العالم حسب الغنى والفقر) , فهو يدل عن المدافعة عنهم، وتأمينهم في أرضهم ودورهم.

وحدثت في العهد الرشيدي معاهدات أخرى كثيرة تؤكد مضمون هذه المعاهدة؛ مثل معاهدة: خالد بن الوليد لأهل دمشق المتضمنة تأمينهم على دمائهم وأموالهم وكنائسهم مقابل الجزية [1] .

ومعاهدة الصلح بين أبي عبيدة بن الجراح وأهل الشام المتضمنة الأمان، وضيافة من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام، وعدم دلالتهم على عورات المسلمين (أي: عدم نقل الأسرار أو التجسس) ، وعدم رفع الرايات الخاصة بهم، ولبس السلاح أيام عيدهم [2] .

ثالثًا: المعاهدات التجارية:

يجوز شرعًا عقد المعاهدات التجارية, وتنظيم المبادلات الخارجية مع غير المسلمين تأييدًا للأصل العام في علاقات المسلمين بغيرهم، وإقرارًا لمبدأ حرية التجارة، وتوفيرًا للموارد الضرورية التي يحتاجها المسلمون في شئون الحياة المعاشية، وعملًا بالسنة النبوية التقريرية، أقر النبي -صلى الله عليه وسلم- حلف المطيين بين البطون القرشية بعد موت قصي بن كلاب, الذي كان يهيئ الطعام للحجاج، مما تقدمه له قريش.

وكان موضوع الحلف: هو توزيع الخدمات للحجاج على كل قبيلة من سقاية ورفادة ولواء وندوة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة» [3] . يريد المعاقدة على الخير, وتأمين موارد الحجيج, ونصرة الحق [4] .

وكانت هناك معاهدات تجارية متعددة بين العرب والأوربيين، منها معاهدة سنة 913هـ بين أمير بادس في المغرب، وبين أهالي البندقية التي تسمح للبنادقة بالنزول في بادس, والاتجار مع أهلها، وتؤمنهم على أنفسهم وأموالهم.

وتسامحت السلطات الإسلامية كثيرًا مع التجار، وكانت التجارة من أسباب نشر الإسلام في شرق آسيا وأفريقية، لكن مع وضع بعض القيود على المبادلات التجارية لمنع إخراج الأسلحة، ووسائل الحرب من بلاد المسلمين، وحظر شراء واستيراد الخمور والخنازير وسائر المنكرات، سواء من مسلم وغير مسلم،

(1) مجموعة الوثائق السياسية: ص 340.

(2) مجموعة الوثائق، المصدر السابق: ص 341.

(3) رواه أحمد والترمذي.

(4) سيرة ابن هشام: 1/ 130 - 132، البداية والنهاية لابن كثير: 3/ 291، تحفة الأحوذي على الترمذي: 2/ 392.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت