المعاهدات في عهد الراشدين:
استمرت الحروب في عهد الصحابة بين المسلمين ودولتي الروم والفرس، فلم تعد المعاهدات لتنظيم السلم أو المناصرة أو التعاون، وإنما كانت إما لعقد الهدنة أو لعقد الذمة، بعد تخيير الأعداء قبل بدء الحرب بين أمور ثلاثة: الإسلام، أو صلح الذمة، أو القتال.
وأكتفي هنا بذكر مثالين لمعاهدتين عقدتا في عصر الراشدين:
1 -كتاب عمرو بن العاص لأهل مصر الذين اختاروا البقاء على المسيحية، جاء فيه:
«أعطاهم الأمان على أنفسهم وملتهم, وأموالهم وكنائسهم وصلبهم, وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص ... ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب، فله مثل ما لهم، وعليه ما عليهم، هذا لمن أراد المقام في سلطاننا، وأما من أبى واختار الذهاب مع الروم، فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا، ومن بقي فلا يمنع من تجارة أراده صادرة أو واردة» .
2 -صلح عمر مع أهل إيليا (أي: القدس) : وهو صلح مشهور, وله أهميته الكبرى في التاريخ [1] .
(1) مجموعة الوثائق السياسية للدكتور حميد الله: ص 345 وما بعدها.
نورد هنا نص هذا الصلح لأهميته:
1 -هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان.
2 -أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم, وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم, ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم, ولا من شيء من أموالهم.
3 -ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود.
4 -وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية، كما يعطي أهل المدائن, وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغهم مأمنهم، ومن قام منهم فهو آمن, وعليه مثل ما على أهل إيليا ممن يبلغون الجزية.
5 -ومن أحب من أهل إيليا أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلى بيعتهم وصلبهم, فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم.
6 -ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعد، وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية.
7 -ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم.
8 -وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله، وذمة الخلفاء, وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.
9 -شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة.