فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 34

لسنا بالمسلمين؟ قال: «بلى» . قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: «بلى» . قال: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني» [1] .

وقد التزم المسلمون بتنفيذ بنود المعاهدة تمامًا: حتى إن أبا جندل بن سهيل بن عمرو - (وسهيل هو كاتب الصلح عن المشركين) - جاء مسلمًا إلى المسلمين، فطلب سهيل بن عمرو رده إلى مكة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنا لم نقض الكتاب بعد» ، ثم رده النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم, وقال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين، وقد جئت مسلمًا، ألا ترون ما قد لقيت. وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله.

واعترض الفاروق على ذلك كما بان سابقًا قائلًا: ألست نبي الله حقًا؟ قال: «بلى» . قال: عمر: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل، قال: «بلى» . قال عمر: فعلام نعطي الدنية في ديننا إذن [2] ؟

ورد النبي أيضًا رجلًا آخر من قريش هو أبو بصير، جاء مسلمًا، فأرسلوا في طلبه رجلين تنفيذًا للعهد، فقتل أحدهما في الطريق، وفر الآخر، وعاد إلى السلم والأمن، ويتجاوزوا حدود النظام العام في الإسلام، وليست الجزية غاية جوهرية، وإنما هي علامة لولاء غير المسلمين، وكفهم عن القتال، ومصادرة الدعوة، ومشاركة في مصالح الدولة نظير حماية أنفسهم وأموالهم والدفاع عنهم.

واتفق الفقهاء على أن عاقد الذمة: هو ولي الأمر الإمام أو نائبه؛ لأنها من المصالح العظمى التي تحتاج إلى نظر واجتهاد، وذلك لا يتأتى لغير الإمام الذي يقدر مصلحة المسلمين العامة، فلو عقدها أحد الأشخاص العاديين لم يصح، ويلحق المعقود له بمأمنه.

ويصح عقد الذمة لكل كافر: عربي أو أعجمي، أو أعجمي كتابي، أو وثني عند المالكية والأوزاعي والثوري وفقهاء الشام [3] .

وأما الصلح الخارجي فيجوز عند جماعة من الفقهاء القائلين بأن الأصل في العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم السلم لا الحرب؛ كالأوزاعي والثوري، أي: أنه يجوز عقد صلح دائم مع غير المسلمين في ديارهم، لا في ديارنا التي اغتصبوها أو احتلوها كفلسطين ونحوها على أساس آخر غير عقد الذمة، على نحو يوفر السلم والأمن والتعايش الودي، ويكفل نشر الدعوة الإسلامية بطريق سلمى قائم على أساس المنطق والحجة والبرهان، أو الحكمة والموعظة بتعبير القرآن.

(1) سيرة ابن هشام: 2/ 317، نيل الأوطار: 8/ 25.

(2) نيل الأوطار: 8/ 34 وما بعدها.

(3) فتح القدير: 4/ 368، الحطاب والموافق: 3/ 380، منح الجليل: 1/ 756، اختلاف الفقهاء للطبري: ص 201، مغني المحتاج: 4/ 243، كشاف القناع: 3/ 492.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت