الصلح المؤقت أو الهدنة أو الموادعة طريق من طرق إنهاء الحرب، وإقرار السلم بين المسلمين وغيرهم، أو بين دار الإسلام ودار الحرب، وهو مشروع؛ لقوله تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) وقد عقد النبي -صلى الله عليه وسلم- صلحًا مشهورًا في عهد النبوة, يصلح أساسًا لعقود الصلح, ألا وهو صلح الحديبية, وأجمع العلماء على مشروعية المهادنة.
والصلح المؤقت: هو مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره, سواء أكان فيهم من يقر على دينه، أم من لم يقر, دون أن يكونوا تحت حكم الإسلام.
أو هو صلح بين زعيمين في زمن معلوم بشروط مخصوصة.
والذي يعقد الهدنة هو الإمام أو نائبه الذي يفوض إليه العقد، ولو تفويضًا عامًّا، كوالي الإقليم مثلًا؛ لأن الهدنة تحتاج إلى سعة نظر، وتقدير للمصالح العامة، وتدبر للقضايا الحربية، ما يترتب عليها من نتائج بعيدة المدى أو الأثر، ولا يتأتى ذلك لغير الإمام من آحاد الناس.
فإن تولى عقد الهدنة شخص عادي دون تفويض من الإمام أو الحكم القائم، عد ذلك افتياتًا على الإمام أو نائبه، ولم يصح العقد عند الجمهور (غير الحنفية) , ويصح عند فقهاء الحنفية إذا تولاه فريق من المسلمين، وتوافرت فيه مصلحة المسلمين [1] .
كيف تم صلح الحديبية وما هي أسبابه؟
أراد المسلمون بقيادة النبي -صلى الله عليه وسلم- أداء العمرة في البيت الحرام في آخر السنة السادسة من الهجرة (نحو سنة 628م) , فصدهم المشركون عن الطواف بالبيت, ورضوا بعقد صلح معهم، فيه شروط مجحفة بالمسلمين، إيثارًا للسلام على الحرب, وقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حينئذ: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله, إلا أعطيتهم إياها» [2] .
وكان من شروط الصلح: «أن من جاء منكم -أي: من المسلمين- لا نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه إلينا، فقال الصحابة: يا رسول الله: أنكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا» [3] .
وكان لعمر -رضي الله عنه- معارضة للصلح ومناقشة الكثير من شروطه: حتى أنه أنكر على الرسول -صلى الله عليه وسلم- المصلح قائلًا: يا رسول الله, ألست برسول الله؟ قال: «بلى» . قال: أو
(1) تبيين الحقائق للزيلعي: 3/ 245، فتح القدير: 4/ 293، الفروق للقرافي: 1/ 207، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: 3/ 189، مغني المحتاج: 4/ 260، المغني: 8/ 461 وما بعدها.
(2) نيل الأوطار: 8/ 31.
(3) نيل الأوطار: 8/ 31.