قال ابن كثير في تفسير الآية: «والغرض أن من قدم من دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة، أو طلب صلح، أو مهادنة، أو حمل جزية, أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أمانًا، ما دام مترددًا في دار الإسلام, وحتى يرجع إلى داره ومأمنه» [1] .
وأضاف القرطبي: وقد كان المشركون يطلبون لقاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأجل الكلام في الصلح وغيره من مصالح دنياهم [2] .
تأمين الرسل والسفراء في الإسلام:
لقد كفل الإسلام للرسل والسفراء مختلف أنواع الحماية والرعاية, والحصانة والتكريم، حتى وإن أرسلوا للمسلمين؛ ليتمكنوا من أداء مهمتهم، ويحققوا الخير والسلام للعالم، وذلك بنص القرآن الكريم في آية التوبة السابق ذكرها: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ ... ) , وبالسنة القولية والعملية، فلم يقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- رسل مسيلمة الكذاب، وقال: «لو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما» . قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: فمضت السنة أن الرسل لا تقتل [3] .
وقد رد النبي -صلى الله عليه وسلم- مبعوث قريش إليهم، بالرغم من إعلان إسلامه، بمجرد رؤية الرسول -عليه السلام- وقال: «إني لا أخيس [4] بالعهد، ولا أحبس البرود [5] ولكل ارجع إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع [6] .
وأجمع الفقهاء على مشروعية الأمان، وحماية الرسل والسفراء وأجازوا للمبعوث السياسي أن يدخل بلاد المسلمين بدون حاجة إلى عقد أمان [7] .
ولم يجيزوا الغدر برسل العدو وسفرائه، حتى ولو قتل الأعداء رهائن المسلمين الموجودين عندهم، فلا تقتل رسلهم [8] ؛ لقول بعض الصحابة: «وفاء بعهد من غير غدر, خير من غدر بغدر» [9] .
النوع الثالث: معاهدات السلم الخارجية - معاهدات الصلح أو الهدنة:
(1) تفسير القرآن العظيم: 2/ 337، ط البابي الحلبي.
(2) تفسير القرطبي: 8/ 77، ط دار الكتب المصرية.
(3) نيل الأوطار: 8/ 29.
(4) لا أخيس: أي: لا أنقض العهد، مأخوذ من خاس الشيء في الوفاء: فسد.
(5) البرود والبرد: جمع بريد أي الرسل.
(6) سنن أبي داود: 3/ 110، منتخب كنز العمال من مسند أحمد: 2/ 297.
(7) شرح السير الكبير: 1/ 199، الخراج لأبي يوسف: ص 188، المبسوط للسرخسي: 10/ 92، مغني المحتاج: 4/ 237، تصحيح الفروع: 3/ 627، الروضة الندية: 2/ 353.
(8) السير الكبير: 1/ 320، الخراج: ص 188، المبسوط: 10/ 89، آثار الحرب للزحيلي ص 330 وما بعدها.
(9) سنن أبي داود: 2/ 76، البدائع: 7/ 108،؟؟؟ الجليل للحطاب: 3/ 360، مغني المحتاج: 4/ 263، كشاف القناع: 3/ 87، المغني: 8/ 459.