فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 34

وهذا رأي جمهور العلماء, ومنهم صاحبا أبي حنيفة «أبو يوسف ومحمد» , فالعبرة عندهم هو عدم وجود السلطة المسلمة، فما لم يكن الحاكم مسلمًا كانت البلاد دار حرب، وإذا كان الحاكم مسلمًا, فالشأن فيه تطبيق أحكام الإسلام.

وقال الإمام أبو حنيفة والشيعة الزيدية: لا تصير الدار دار حرب إلا بشروط ثلاثة:

الأول: ظهور أحكام الكفر ونفاذه فيها.

الثاني: أن تكون متاخمة لدار الكفر والحرب، فالصحاري والبحار المتاخمة لدار الإسلام ليست دار حرب، وإذا كانت هناك حدود مشتركة أو مجاورة لبلاد الإسلام, فهي ليست دار حرب؛ لأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم في هذه الحدود تكون عادة مثار نزاع وحرابة, ولا يؤمن جانب أهلها إلا بإخضاعها لدار الإسلام.

الثالث: ألا يبقى فيها مسلم ولا ذمي «مواطن غير مسلم مقيم في دار الإسلام» آمنًا بأمان المسلمين الذي كان يتمتع به، أي: بالأمان الإسلامي الأول الذي مكن رعايا المسلمين من الإقامة فيها، وهو أمان الشرع بسبب الإسلام للمسلمين، وبسبب عقد الذمة بالنسبة للذميين.

ويظهر أن هذا الرأي أسلم وأوفق وأفضل علميًّا وعملية، فهو يجعل أساس اختلاف الدار هو وجود الأمان بالنسبة للمقيمين فيها، فإذا كان الأمن فيها للمسلمين على الإطلاق، فهي «دار الإسلام» , وإذا لم يأمنوا فيها, فهي «دار حرب» , ولا يزول الأمن بالنسبة لمسلم إلا بالأمور الثلاثة المذكورة.

وأما دار العهد فهي التي لم يفتحها المسلمون عنوة، وعقد أهلها الصلح بينهم وبين المسلمين على شيء يؤدونه من أرضهم يسمى «خراجًا» دون أن تؤخذ منهم «جزية» رقابهم؛ لأنهم في غير دار الإسلام.

هذه الدار لم يستول عليها المسلمون حربًا، ولم يصالحوهم صلحًا دائمًا على أساس عقد الذمة حتى تطبق فيها شريعتهم، ولكن أهلها دخلوا في عقد المسلمين وعهدهم على شرائط اشترطت, وقواعد عينت، فتحتفظ بما فيها من شريعة وأحكام، وتكون شبيهة بالدول التي لم تتمتع بكامل استقلالها، لوجود معاهدة معقودة.

وتصور وجود «دار العهد» كان من اجتهاد الإمام الشافعي, ووافقه في ذلك محمد بن الحسن من الحنفية، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة [1] ، وهو تصور نابع من وضع الأراضي المفتوحة صلحًا على أن الأرض ملك لأهلها بموجب الصلح.

واعتبر جمهور الفقهاء دار العهد جزءًا من دار الإسلام؛ لأنهم صاروا بالصلح أهل ذمة تؤخذ جزية رقابهم [2] .

(1) شرح السير الكبير: 4/ 8، وما بعدها، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص133.

(2) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت