وفي الحقيقة أن وضع أهل الذمة يتطلب الالتزام بأحكام الإسلام، وهؤلاء سواء دفعوا الجزية أو لم يدفعوها لم يلتزموا بالخضوع لأحكام الشريعة الإسلامية، لذا فإن رأي الشافعي أولى بالاتباع، ويصلح اصطلاح «دار العهد» أساسًا للعلاقات الدولية الحاضرة بين المسلمين وغيرهم؛ للتوصل إلى تأمين جميع المصالح الاقتصادية, وحل القضايا السياسية ونحوها، ما دامت الدول الإسلامية قد قبلت الالتزام بميثاق الأمم المتحدة, فهو بمثابة عهد جماعي من غير المسلمين مع المسلمين، فارتباط الدول الحديثة بميثاق الأمم المتحدة يجعل بلاد غير المسلمين الآن مثل «دار العهد» التي تصورها الشافعي ومن وافقه، وهي في الواقع ليست من دار الإسلام.
العلاقة بين دار الإسلام ودار العهد:
تحدد العلاقة بين داري الإسلام والعهد في نصوص المعاهدة المعقودة بين المسلمين والمعاهدين، وبها تعرف حقوق وواجبات الطرفين المتعاهدين.
أما واجبات المسلمين نحو المعاهدين فهي:
1 -عصمة دمائهم وأموالهم وممتلكاتهم ودورهم من أي اعتداء عليهم.
2 -الدفاع عنهم وحمايتهم من أي عدوان خارجي عليهم.
3 -احترام حرياتهم السياسية والدينية, وعدم التدخل في شئونهم الخاصة، إلا فيما يتعلق بالسماح للمسلمين ونشر الدعوة الإسلامية بينهم، بحيث تعلن أصول هذه الدعوة بالإقناع والحجة والبرهان، دون إكراه ولا إجبار على اعتناق الإسلام، وإنما يكون لهم الحرية في الدخول في الإسلام, أو البقاء على دينهم الأصلي، وهذا هو الهدف الأساسي للمسلمين: ألا وهو تبليغ الدعوة الإسلامية, ونشرها في العالم, وتمكينها من الظهور والبقاء.
وأما واجبات المعاهدين فهي عادة ما يأتي:
1 -مسالمة المسلمين وعدم محاربتهم, أو الدخول في حرب مباشرة ضدهم، أو التحالف مع أعدائهم الذين قد يحاربون المسلمين.
2 -السماح بنشر الدعوة الإسلامية في ديارهم, وتمكين المسلمين من أداء الشعائر الإسلامية فيها علنًا.
3 -أداء مبلغ من المال لبيت مال المسلمين يفرض على الأراضي يسمى «الخراج» , وهو في حكم الجزية، فمتى أسلموا سقط عنهم في رأي جمهور الفقهاء والشيعة الإمامية، بدليل ما كتب عمر بن عبد العزيز لعماله: «ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض» , وقوله أيضًا لأحد ولاته: «إن الله بعث محمدًا بالحق هاديًا، ولم يبعثه جابيًا» .