وينسى الإنسان الغارق في بحر المادة والمتنعم بالصحة والعافية، أن أوله نطفة قذرة وآخره جيفة مذرة، وأنه لا يمثل شيئًا في ملكوت الله، لولا أن الله تعالى بكرمه وفضله رفع من شأنه وخلقه في أجمل صورة وقوّمه أحسن تقويم.
ثالثًا: الفراغ
وهو من نعم الله الكبرى على الناس، ولكن الناس قد غفلوا عنها وانصرفوا، ولم يلقوا لها بالًا، فلم يدركوا حقيقة هذه النعمة التي هي بمثابة المنافس للإنسان في عمره وحياته كلها، حيث هناك تسابق بين الإنسان والوقت في الحياة، والإنسان الخاسر الذي يتأخر عن استغلال هذا الوقت واستثماره فيما ينفعه وينفع الآخرين، وسيكون سببًا في تأخره عن ركب الحضارة في الدنيا، والحرمان من الوصول إلى المنازل العليا في الآخرة. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» (1) .
والوقت من أهم الأمور التي خلقها الله للإنسان، ليتمكن من التحرك
في الأرض ويقوم بأداء رسالته في الحياة، ويعلم عدد السنين والحساب، ويعرف متى بدأت رحلة حياته، وإلى أية مرحلة وصلت؟ هذا، ولعلو شأن الوقت ومنزلته عند الله تعالى فقد أقسم به في كتابه العزيز، فقال جل ذكره: { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } (2) . ثم إنه جل وعلا نبّه إلى إلى هذه المنزلة في قوله: { إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } (3) أي في أزمان محددة ومنتظمة لها وقت دخول تبدأ عندها الصلاة، ووقت خروج تبطل بعدها الصلاة. وهو نوع من الاهتمام بالوقت وتقسيمه إلى فترات معينة تقام فيها شعيرة الصلاة.
(1) صحيح البخاري، رقم 6412، ص1113.
(2) سورة العصر، الآيتان 1، 2.
(3) سورة النساء، الآية 103.