الصفحة 16 من 20

وكذلك مطابقة الكلام لمقتضى الحال من عمل المتكلم فهو الذي يطلب منه أن يراعي المقامات وتفاوتها طبقا للقواعد والأصول الموضوعة"لأن تنزيل الكلام هذه المنزلة يحتاج إلى إتمام الآلة وإحكام الصنعة" (69) كما يحتاج إلى اقتناع المتكلم بأن"سياسة البلاغة أشد من البلاغة" (70) .

كما يعتبر المخاطب (المستمع / المتلقي) قطبا آخر من أقطاب العملية التواصلية، فمراعاته ومراعاة مقامه وجلب انتباهه مما يؤثر في تركيب الجمل وحشر مكوناتها وفق ترتيب معين، كما أن عدم اعتبار المخاطب قد يؤدي إلى خلق حالة فيه معاكسة تماما لما كان المتكلم يروم فيه.

فمعرفة"أقدار المنزلة"واجبة لأن مدار الأمر على إفهام كل قوم بمقدار طاقاتهم والحمل عليهم على أقدار منزلتهم (71) وذلك من مهام المتكلم الذي يجب أن يبلغ من السامع مقصده كنشاط السامعين ووجودهم على هيئة جسدية وعقلية تسمح لهم بتمثل ما يقال لهم. (72) وقد نقل في هذا الصدد قول عبد الله بن مسعود:"حدث الناس ما حدجوك بأبصارهم وأذنوا لك بأسماعهم ولحظوك بأبصارهم وإذا رأيت منهم فترة فأمسك" (73) .

ولعل جلب الانتباه هو ما جعل ابن جني يقول:"فلو كان استماع الأذن مغنيا عن مقابلة العين مجزئا عنه لما تكلف القائل ولا كلف صاحبه الإقبال عليه والإصغاء إليه ... وعلى ذلك قالوا: رب إشارة أبلغ من عبارة، وقال لي بعض مشايخنا رحمه الله أنا لا أحسن أن أكلم إنسانا في الظلمة" (74) .

وقد كانت عناية ابن قتيبة بالكاتب والمكتوب إليه فائقة حيث ألف كتابه لهذا الغرض يقول:"ونستحب له -الكاتب- أيضا أن ينزل ألفاظه في كتبه فيجعلها على قدر الكاتب والمكتوب إليه وأن لا يعطي خسيس الناس رفيع الكلام، ورفيع الناس وضيع الكلام" (75) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت