الصفحة 17 من 20

وهذا ليس بمحمود في كل موضوع ولا بمختار في كل كتاب، بل لكل مقام مقال، ولو كان الإيجاز محمودا في كل الأحوال لجرده الله تعالى في القرآن، ولم يفعل الله ذلك ولكنه أطال تارة للتوكيد وحذف تارة للإيجاز وكرر تارة للإفهام. (76)

ويحتاج الكاتب إلى معرفة المكاتبين عند من يكتب عنه وما يليق بهم من الأوعية والعنوانات على حسب ما تقتضيه مرتبة مخدومه بين مراتبهم فينزل كل واحد منهم مرتبته اللائقة به، يقول ابن السيد:"ومراتب المكاتبين ثلاثة: مرتبة من فوقك ومرتبة من هو مثلك ومرتبة من هو دونك، ولكل طبقة من هذه الطبقات مرتبة في المخاطبة ومنزلة متى زيد عليها أو قصر به عنها وقع في الأمور الخلل وعاد ذلك بالضرر" (77) .

ولأجل أن الاعتبارات اللغوية تتبع أحوال المخلوقين وعاداتهم وما يقتضيه ظاهر البنية وموضوع الجبلة (78) أوصى بشر بن المعتمر المتكلم"أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات" (79) .

فمراعاة حال المتكلم شكلا ومضمونا تقف جنبا إلى جنب مع مراعاة حال المخاطب ولهذا قال الجاحظ:"إن المفهم لك والمفهم عنك شريكان في الفضل، إلا أن المفهم أفضل من المتفهم وكذلك المعلم والمتعلم، هكذا ظاهر هذه القضية وجمهور هذه الحكومة" (80) .

إن كلا من المقام والمتكلم والمخاطب عناصر غير لغوية وهي تمثل ضغوطا إنجازية قصوى إن روعيت حَسُن الكلام ونجحت العملية التواصلية وارتقت أعلى القمم البلاغية. ولا يمكن للمعنى أن يتضح إلا باستحضار المقام الحي والمتكلم الفطن والمخاطب اليقظ.

الهوامش

1.اللغة والمعنى والسياق، جون لاينز ص:27-28.

2.نظرية النحو العربي، نهاد الموسى ص:88.

3.علم اللغة، محمود السعران ص:263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت