فقدم الفعل يسعى في الأولى وأخر في الثانية، ووجه ذلك أن قوله تعالى في سورة التحريم (والذين آمنوا) يفهم من حيث المعية قرب المنزلة وعلو الحال، فناسب ذلك ورود الجملة الاسمية هنا بما تقتضيه من الثبوت وتقدمه واستحكامه فقيل: (نورهم يسعى) .
وأما قوله في سورة الحديد (يسعى نورهم) فبشارة للمؤمنين، ولم يأت هنا كونهم مع نبيهم فلم يرد مما يفهم تمكن المنزلة وثبوتها مثل ما ورد في آية التحريم وإنما هذه بشارة، فناسب التجدد والحدوث فقيل (يسعى نورهم) ليفهم التكرر وحدوث الشيء بعد الشيء (62) .
ولعل النماذج التي توضح دور العلاقات السياقية في تحديد المعنى النحوي أكثر من أن يحيط بها العد، وقد اكتفيت بإيراد بعضها.
2 -المتكلم والمخاطب وظروف المقال غير اللغوية:
إن الشبكة التي تؤسس عملية التخاطب شبكة معقدة وهي تؤكد أن ظروف المقال غير اللغوية كالمتكلم والسامع تقوم بدور هام في تحديد خصائص الخطاب، ذلك أن جزءا كبيرا من معاني المفردات والجمل المستعملة يعتمد على الخبرة المشتركة بين المتكلم والمتلقي.
لقد تقاسمت جهد البلاغي ظاهرتا الملفوظ والتلفظ، يقول حمادي صمود:"ونعني بالملفوظ بنية النص وخصائصه النحوية والبلاغية العامة من جهة أن النص تشكل لغوي قائم بذاته ولا دخل لملابسات إنجازه في تحديد صفاته، وهي وضعية نظرية تكاد تكون لا تتم لنص من النصوص، أما التلفظ ففعل يقوم به متكلم معلوم في حيز زماني ومكاني مضبوط يخرج به النص من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل وبموجب هذا الإخراج تتدخل في العملية اللغوية عناصر أجنبية عنها كالمتكلم والسامع والسياق" (63) .