الصفحة 10 من 20

والمقولتان تقرران من الوجهة العلمية مبدأ يصح تطبيقه على جميع الاتجاهات والمدارس في العلوم اللسانية خاصة والإنسانية عامة، هذا المبدأ هو وجود علاقة لا يمكن تجاوزها تنظيرا وتحليلا بين المقال وما يكتنفه من ظروف ومواقف وسياق اجتماعي. ولأمر ما جعل المفسرون والأصوليون من المعرفة بأسباب النزول أصلا من أصول تفسير القرآن الكريم واستنباط الأحكام لا يقومان إلا به، وما المعرفة بأسباب النزول إلا استيحاء للمقام لا مندوحة عنه لفهم المقال (47) .

فمطابقة الكلام لمقتضى الحال هو أساس البلاغة كلها، وهو الذي يجب مراعاته في الكلام حتى يصبح بليغا يتعدى مرحلة الإفهام.

فبحكم ترابط المقال والمقام ترابطا جدليا تصبح خصائص الكلام غير منفصلة عن السياق الذي يحتويه، معنى ذلك أن الحكم للكلام أو عليه لا يتعلق بشيء في ذاته وإنما يتجاوزه إلى المطابقة المذكورة التي تحصل برعاية الاعتبارات الزائدة على أصل المراد على حد تعبير الشيخ عبد القادر المغربي (48) .

والعلاقة بين المقام والمقال تسير في اتجاهين على نحو مستمر، فكما أن المقال دليل على المقام فكذلك نجد المعرفة بالمقام جوهرية في فهم المقال، وتظل العلاقة الجدلية قائمة بينهما طوال عملية الممارسة اللغوية.

وبسبب هذا الفهم الشامل لفكرة"المقام"يعتبر النص"المقال"منطوقا كان أو مكتوبا غير منبتٍّ عن سياقه ومن سيق له (49) .

ومثلما أن السياق ضروري كمبدأ للقراءة الصحيحة، فإنه ضروري للكتابة أيضا فالكاتب كما يقول"بارت"يكتب من لغته التي ورثها عن سالفيه ومن أسلوبه، وهو شبكة من الاستحواذ اللفظي ذات سمة خاصة شبه شعورية (50) .

فكل من المقام والمقال متمم للآخر وكل منهما يفترض الآخر مسبقا، وتعتبر النصوص مكونات للسياقات التي تظهر فيها، أما السياقات فيتم تكوينها وتحويلها وتعديلها بشكل دائم بواسطة النصوص التي يستخدمها المتحدثون والكتاب في مواقف معينة (51) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت