فنجاح القول إذن يضمن بمناسبته لظروف قيمية غير لغوية والمناسبة تضمن بتوخي معاني النحو وأحكامه، يقول القنوجي:"وكل معنى لابد أن تكتنفه أحوال تخصه فيجب أن تعتبر تلك الأحوال في تأدية المقصود لأنها صفاته، وتلك الأحوال في جميع الألسن أكثر ما يدل عليها بألفاظ تخصها بالوضع، وأما في اللسان العربي فإنما يدل عليها بأحوال وكيفيات في تراكيب الألفاظ وتأليفها من تقديم وتأخير أو حذف.." (41) .
ويمكن القوم مثلا إن الفرق بين"لم أقرأ هذا الكتاب"و"هذا الكتاب لم أقرأه"لا علاقة له بالتركيب النحوي أو التركيب الدلالي للجمل إنما له علاقة بنطق الجملة ذاتها في ترتيب معين من الكلمات يحدده السياق أو مقتضى الحال (42) ، ولعل البلاغيين العرب حين تكلموا عن مقتضى الحال كانوا يقصدون شيئا قريبا مما أطلق عليه تمام حسان"غاية الأداء"، ومن هنا يكون مقتضى الحال جزءا من المقام وليس المقام كله (43) .
د - مطابقة المقال للمقام والدلالة:
إن أبرز الملامح في النظر البلاغي عند العرب قام على اشتراط"موافقة الكلام لمقتضى الحال"، واستشعر المقولة السائدة"لكل مقام مقال"ورصد على وجه التفصيل ما يكون من تأثير السياق، سياق الحال خاصة وهي حال المتكلم والمخاطب وسائر ما يأتلف منه"المقام"ورصد ما يكون من تأثير ذلك في تشكيل الكلام وتأليفه على هيئات في القول تتنوع وفقا لتنوع المقامات (44) .
وحين قال البلاغيون"لكل مقام مقال""ولكل كلمة مع صاحبتها مقام" (45) وقعوا على عبارتين من جوامع الكلم تصدقان على دراسة المعنى في كل اللغات لا في العربية الفصحى فقط، وتصلحان للتطبيق في إطار كل الثقافات على حد سواء، ولم يكن"مالينو فسكي"وهو يصوغ مصطلحه الشهير: context of situation يعلم أنه مسبوق إلى مفهوم هذا المصطلح بألف سنة أو ما فوقها (46) .