قلت: من أهم أسباب انشراح صدر العالم بالعلم النافع صحة تصوره لما ينفعه وما يضره، لأنه بذلك يصبح سيره في الدنيا مبينًا على علم بالطريق الآمن الذي يحقق له السعادة، فهو يسلكه راضيًا مطمئنًا، ولو حصل له بسلوكه ضرر مؤقت، فإنه يعلم حسن عاقبته، كما أنه على علم بالطريق المخوف الذي فيه شقاؤه، فلا يسلكه وإن كان فيه نفع مادي ولذة مؤقتة.
والجاهل بخلافه ولذلك يضيق صدره، وإن بدا سعيدًا، لأنه محجوب الرؤية عن سبيل سعادته وسبيل شقائه، فيسلك سبيل الشر ظانًا أنه ينتفع به، فينكشف له عكس ذلك مرة بعد مرة، وهو لا يتعظ ولا يفيق، وكلما وقع في شرّ ضاق صدره، وهكذا.
المبحث الثاني: العلم بالله تعالى:
العلم بالله سبحانه وتعالى هو أساس العلم النافع، وكل علم لم يُبْنَ على هذا الأساس فليس بنافع في الحقيقة، وإن اغترّ به أهله، لأنه لا يحقق لصاحبه سعادة في الدنيا ولا هداية، ولا ينجيه من شقاء الآخرة وعذابها، بله أن يوصله إلى رضا الله ودار نعيمه.
والعلم به سبحانه يعني التعرف على أسمائه وصفاته وأفعاله، عن طريق كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع العلم أنه يستحيل على المخلوق مهما بلغ من الاجتهاد في معرفة الله أن يحيط به، كما قال تعالى (( ولا يحيطون به علمًا ) ) [طه: 110] .
وفي هذا المبحث أربعة مطالب:
المطلب الأول: العلم بألوهية الله.
العلم بألوهيته تعالى التي لا يشاركه فيها أحد، وهي الأساس الأول من أسس الإسلام، وإليها دعا جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام، من لدن نوح إلى خاتمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.
قال ابن تيمية رحمه الله:
"وهذا حقيقة قول (لا إله إلا الله) وبذلك بعث جميع الرسل، قال تعالى: (( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) ) [الأنبياء: 25] "