والرابع: قوله r:"الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات".
ومما يدل على عنايته وإجادته لهذا الكتاب تعليق الذهبي على كلام أبي داود الذي نقله ابن داسة والمتضمن وعدًا بتبين الضعيف الظاهر. قال الذهبي:
"وقد وفى بذلك فإنه بيّن الضعيف والظاهر، وسكت عن التضعيف المحتمل".
رواياته
نتوقع أن يكون هذا الكتاب قد روي من طرق كثيرة، غير أنَّ الرواة الذين ذكرهم العلماء تسعة وقد أوردنا أسماءهم في كلامنا على تلامذته.
والحق أنّ هؤلاء الرواة الذين عرفناهم - وغيرهم كثير ممن لم نقف على أسمائهم - قد أدوا خدمة جليلة لكتاب أبي داود، وللسنة بوجه عام، فجزاهم الله عن ذلك خير الجزاء.
وقد انتهيت من بحثي إلى أن كتاب (( السنن ) )متواتر إلى صاحبه دون شك. وأن أولئك الدساسين الذين يريدون أن يشككوا المسلمين بكتب ثقافتهم الدينية وبالأصول الإسلامية قوم دفعهم إلى ذلك التعصب الأعمى والحقد الدفين.
ذكر العلماء أن الروايات عن أبي داود بكتابه (( السنن ) )كثيرة جدًا وهذا أمر طبيعي، لأن رجلًا ظلَّ يقرئ كتابه مدة تقرب من أربعين سنة لابد أن يكون عدد الذين رووه عنه كبيرًا، لا سيما أن أبا داود - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في ترجمة حياته - محدث مشهور يقصده الناس لعلمه وفضله حتى إن الدولة رأت في سكناه بالبصرة سببًا لإحياء المدينة الميتة وعمارة القرية الخربة. ومن عادة المؤلفين أنهم دائمًا في تنقيح مستمر لكتبهم، يقدمون ويؤخرون ويزيدون وينقصون، وكلما نظروا في أثر من آثارهم رأوا أنّه بحاجة إلى تعديل.
ومن أجل ذلك كان كلام الحافظ ابن كثير عن روايات سنن أبي داود هو الكلام الطبيعي الذي جاء نتيجة لما ذكرنا. قال في (( مختصر علوم الحديث ) ):
"الروايات عند أبي داود بكتابه السنن كثيرة جدًا، ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الاخرى".