ومما يؤكد لنا أن تأليفه كان في وقت مبكر من حياته النظر في مجموع أخباره فهناك ما يدل على أن الرجل بذل به عناية فائقة وأنفق في ذلك مدة طويلة وأنه عرض هذا الكتاب بعد تمامه على الإمام أحمد المتوفى سنة 241هـ فإذا كان أبو داود قد ولد سنة 202هـ استغرق مدة عشرة سنوات في تأليفه وافترضنا أنه عرضه عليه قبل وفاته بخمس سنوات، فيكون عمر المؤلف عند ذلك بضعًا وعشرين سنة، أي في وقت النشاط والقدرة. وهذا وقت مبكر جدًا.
وأما كونه عني به عناية بالغة فهذا أمر تدل عليه دلائل كثيرة كلها تقطع بأن المؤلف بذل مجهودًا كبيرًا وأنه نظر فيه ونقحه وقرأه مرات وكان يزيد فيه وينقص.
من هذه الدلائل ما ذكره راوي هذا الكتاب الإمام الحافظ أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي الذي قال بعد أن روى الحديث 911 ما يلي: (هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة) وقال صاحب (( عون المعبود ) )في شرح ذلك: (أي لما حدّث وقرأ أبو داود هذا الكتاب في المرة الرابعة لم يقرأ هذا الحديث) .
ومن هذه الدلائل قول علي بن الحسن بن العبد: (سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار بقيت من المرة السادسة بقية) وفي تتمة الخبر أنه قرأها في السنة التي مات فيها وهي سنة 275هـ.
أي أن المؤلف ظل يقرأ الكتاب ويذيعه في الناس مدة تقرب من أربعين سنة فلا عجب أن يكون واحد كعلي بن الحسن قد سمع منه هذا ست مرات.
ومن هذه الدلائل ما نقله أبو بكر بن داسة عن أبي داود حيث يقول:
(كتبت عن رسول الله r خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني كتاب السنن - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت فيها الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:
أحدها: قوله r:"الأعمال بالنيات".
والثاني: قوله r:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
والثالث: قوله r:"لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".