فقال له: أيها الشيخ لا تنكر عليَّ ما فعلته واجمع أمردي هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه حينئذٍ من السماع عليك.
قال: فاجتمع طائفة من الشيوخ، فتعرض لهم هذا الأمرد مطارحًا، وغلب الجميع بفهمه، ولم يرو له الشيخ مع ذلك من حديثه شيئًا. وحصل له ذلك الجزء الأول) .
وذكروا في بعض أخباره ما ينبئ عن اتخاذه بعض الخدم، ومنهم أبو بكر بن جابر خادمه الذي روى حديث مقابلة الموفق له .
أخلاقه وصفاته
كان أبو داود رجلًا كبيرًا ذا خلق كريم. كان صالحًا عابدًا ورعًا، وكان ذكيًا مجدًا دؤوبًا كثير الاحتمال لمشاق الارتحال وطلب العلم، وكان يقظًا شديد الانتباه يعرف الناس على حقيقتهم ولا تنطلي عليه وسائل الخداع، وكان أبيًا كريم النفس، وكان جريئًا في الحق أمينًا على رسالة العلم قائمًا بحق الدين. وسأورد فيما يلي أخبارًا تدل على صراحته في الحق وجرأته في قوله، لا يخاف في ذلك لومة لائم، وسيمر بنا أيضًا في دراسة (( السنن ) )أمثلة عديدة على ذلك في موضوع جرح الرجال.
وقد خصصت هذا الخلق بالبيان لأنه الخلق الذي اعتقد أنه من أهم صفات العلماء، ولأنّ الناس يعانون الكثير من فقد هذا الخلق في حياتهم وعند نفر من العلماء، ويشهدون كم تجر المجاملة التي يتصف بها كثير من الناس من الويلات على الدين والعلم والحق.
والعلماء يمثلون القيادة الفكرية للأمة، والقوة الموجهة التي تحول بين الجماهير والانحراف والفساد، فإذا فقدوا فضيلة الصراحة في الحق والجرأة في القاء الكلمة المؤمنة الصادقة كان إيذاء ذلك شديدًا.
وكانت عاقبة ذلك دمارًا للأمة ولكل معاني الخير فيها.
فمن أجل ذلك رأيت أن أضرب بعض الأمثلة على أصالة هذا الخلق العظيم في سيرة هذا الإمام العظيم: ذكر أبو يعلى (أنّ محمد بن علي الآجري قال:
قلت لأبي داود: أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟