الصفحة 9 من 306

ورغم أننا لم نكن لنتفق دائمًا إلا أننا -أبو علي وأنا- كنا قد اعتمدنا مبدأ الصراحة والصدق أسلوبًا في التعامل فيما بيننا. وهكذا لم تمض بضعة أشهر حتى صرت أتمتع بصلة اتصال فريدة بالحركة. أنا لا أدعي الاطلاع على أسرار الحركة الداخلية ولكني أزعم أني حظيت بفرصة للاطلاع عن كثب على سياسة الشيعة في لبنان, من النادر أن يتسنى لأجنبي بمثلها, فبالإضافة إلى المناقشات الصريحة جدًا التي أجريتها مع أبي علي, فقد اكتشفت أن علاقتنا قد فتحت أمامي أبوابًا عدة, فرغم أن العديد من مسئولي وأعضاء الحركة لم يكن على استعداد للثقة بي كما فعل أبو علي, إلا أن معرفة أغلبهم بصداقتنا جعلتهم أكثر انفتاحًا مما هم عليه في العادة.

ولقد حضرت, طوال مدة إقامتي في لبنان, اجتماعات ومهرجانات سياسية ومجالس ذكر ( التي تحيي ذكرى عاشوراء والشهداء ) ولقاءات اجتماعية خاصة, توجت بتقديمي إلى عدد من الذين يدعمون الحركة ماليًا, خلال اجتماع حساس جدًا في عام 1981 ربما شكل ذروة علاقتي بالحركة, فقد كنت اللا شيعي الوحيد في الاجتماع المنعقد لتقييم مستوى نمو الحركة في الجنوب, وقد كان السماح لي بحضور اجتماع يشارك فيه مجموعة من الرجال الذين لم يكن من المعروف عنهم عامة تأييدهم للحركة في الوقت الذي كانت فيه العلاقات مع الفدائيين تشهد تدهورًا متسارعًا يتطلب أكثر قدر من الثقة. ولابد هنا من تسجيل تحية إكبار وتقدير لشجاعة أبي علي الذي آثر استمرار علاقتنا رغم المخاطر الكامنة في ذلك،على أن يختار الطريق الآمن المتمثل بإنهائها، وأظن أنه من الإنصاف القول دون ميلودرامية من جانبي بأن اطلاع مناوئيه الدمويين على مدى علاقتنا العلنية كان من الممكن أن يمنع أيا منا من استحضارها الآن فقد كان لدينا في لقائنا الأخير, في عام 1981 -وهو غداء خاص أقامه أبو علي على شرفي في منزله- من الأسباب ما يحملنا على الاعتقاد بأن تلك هي وجبتنا الأخيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت