إن مفتاح الحقائق السياسية اللبنانية المتغيرة يكمن في تغير موقع الشيعة؛ إذ لا يقتصر الأمر على كون الشيعة هم الآن أكبر جماعة دينية في البلاد, وبل إن نمط حياتهم التقليدي قد تعرض لهزات عميقة, إذ غزا أناس غرباء مناطقهم التقليدية, وتراوح مصير زعمائهم التقليديين بين التنازل وبين الإزاحة بالقوة, لا يزال الشيعة في لبنان ضعفاء وفقراء ومستغلين سواء من قبل شيعة آخرين أم من طوائف أخرى, وهم ما زالوا منقسمين سياسيًا يبحثون عن هوية يجدون فيها أنفسهم, ولقد تمكنوا حتى الآن من تجنب الخضوع لأية جماعة أخرى أو استتباع مصالحهم لتكتيكات دولة مجاورة, ومن المستحيل التنبؤ فيما إذا كانوا سيتمتعون طويلًا بهذا القدر المحدود من الحرية والفرصة التي يمنحها, والتي قد يتوصلون عبرها إلى إيجاد نوع من الإجماع فيما بينهم, فالكثير يعتمد على ما إذا كانوا سيتوصلون إلى تفاهم ذاتي كهذا, وعلى ما إذا كانوا سيجدون نوعًا من تسوية للأمور مع مواطنيهم اللبنانيين.
يعالج هذا الكتاب مسألة المصير السياسي لشيعة جنوب لبنان وبالتالي لمصير لبنان نفسه, ويقدم تحليلًا سوسيولوجيًا وديمغرافيًا لأبعاد المشكلة الموضوعية, إلا أنه يقدم أيضًا وصفًا للحالة الناجمة عن الأحداث على الصعيد الإنساني, فرغم تميز الأحداث اللبنانية بأهميتها البالغة وتأثيرها على مجريات السياسة العالمية إلا أنها من صنع حفنة من الناس غالبًا ما يكونوا بسطاء, ولكي نفهم الطروحات والاستراتيجيات التي تبدو منطقية لتلك الحفنة من الرجال التي تتبناها على الأرض, لا بد لنا أن نفهم فورية الوضع الذي يجدون أنفسهم فيه، ومن الضروري أن ندع جانبًا في هذه المرحلة انحيازنا لأفكارنا المسبقة لكي نستطيع أن نرى كيف تبدو الأشياء انطلاقًا من وجهة نظر أخرى.