لكن التوحد مع الآخر ليس كالتعاطف معه, كما أنه لا معنى للتماهي مع الخصم إلى حد تحويل وعي المرء لذاته, ورغم أنه لا يمكن أن نتعلم شيئًا دون أن نغير أنفسنا إلى حد ما, ولا يمكننا أن نعقد صلحًا مع خصمنا دون أن نتحول إلى أشخاص مختلفين, إلا أن جزءًا كبيرًا من الأزمة في لبنان يعود بالضبط لكون أبطالها الرئيسيين لا يريدون التغيير إلا أن يتغيروا هم أنفسهم.
فالتعلم والصلح يتشابهان في كونهما يتطلبان بالضرورة أن نغير أنفسنا, إلا أنهما يختلفان في كوننا نتعلم بشكل إفرادي إلا أنه يمكننا أن نعقد صلحًا دون إقامة علاقة مع الآخر, وأحسن أنواع التعلم يشبه المصالحة التي لا يعرف فيها من يؤثر بمن, والتي يقوي الوعي بالذات من هوية المشتركين فيها, وأظن أن هذا النوع من التعلم هو الذي ستجدونه في هذا الكتاب.
تعود معرفتي بالمؤلف لعدة سنوات خلت, فمنذ ذلك اليوم الذي قدم فيه إلى مكتبي في جامعة شيكاغو, ذلك الضابط الشاب الذكي والطموح, ذي الرغبة الشديدة في معرفة الشرق الأوسط وفي استخدام قدرته على التحليل في حل أحاجيه السياسية, أجدني أتساءل إن كان قد خطر ببالي آنذاك مدى الجهد والمثابرة الذي يتطلبه القيام بهذه العملية أو مدى التغير الذي سيتعرض له هو نفسه خلالها, فلقد تطلب تأليف هذا الكتاب أكثر بكثير من مجرد تعلم بعض المهارات الثقافية أو الدقة في استخدام المصطلحات السياسية؛ إذ تطلب سنوات من العيش في الشرق الأوسط كما في جيش الولايات المتحدة الأمريكية, ومن الجدير ذكره أن الطريق الذي اختاره لا ينطبق على نموذج الأكاديمي التقليدي ولا على الجندي المحترف, رغم أنه جندي وأكاديمي في آن.