ومن هذا المنطلق كتب بروست تحفته الخالدة في العمل الروائي في اثني عشر مجلدًا واسمها أشياء من الذاكرة تعتمد على أسر اللحظة المعينة التي تمتد وتتسع لتختزن الإحساس بالحياة الذي ينطلق خارج الزمن، ونحن نعلم أن الأحداث في رواية جويس الشهيرة: يوليسيز تتم في ثمان وأربعين ساعة بدلًا من مئات السنين التي استغرقتها حوادث الأوديسيا، أي أنه من خلال المفهوم الحديث للزمن استطاع أن يختزل الزمن الخارجي مستعيضًا عنه بالشعور الداخلي للشخصية الروائية.
وتأتي نقطة التحول من الماضي إلى الحاضر، ومن التقليدي إلى الجديد من خلال الاهتمام بالوعي الفردي (individual consciousness) ، فقد أصبح هذا الوعي نقطة العبور نحو التجديد. أصبح الوعي هذا هو الأصل في الخلق والإبداع، فيه ينمو جنين الصورة الفنية، ومنه تولد هذه الصورة. لم يعد كما كان سابقًا مجرد مرآة ينعكس على سطحها الواقع الخارجي، أي أن الوعي تخطى وظيفة المحاكاة التقليدية التي كانت أبرز نشاطاته. في هذه الحالة اكتسب الوعي بُعدًا جديدًا جعل منه دورًا فعالًا في أمر العلاقة مع العالم الخارجي وتحديدها. باختصار يتمثل هذا التحول الجذري في أن الذات (subject) أصبحت محور الفكر الحديث ومنطلق الحداثة ومكوناتها الرئيسية. وقد رأى المحدثون في استخدام هذا المصطلح حيادية أكثر من المصطلحات السابقة التقليدية التي استخدمها السلف مثل الطبيعة الإنسانية (human nature) ، والروح (soul) ، والأثير (spirit) ، فقد أصبحت هذه المصطلحات مفرغة من معانيها بعد أن تعرضت للاستعمال مدة طويلة.