فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 234

وبهذا التطور لم تعد الرواية هدفًا للتسلية، أو قضاء الوقت، بل أصبحت عملًا فكريًا وفنيًا يتطلب جهدًا خاصًا من الكاتب، ومن ثم جهدًا متميزًا من القارئ، الذي أصبح لزامًا عليه أن يقرأ وهو يفكر، وأن يتأنى في قراءته، حتى يتمكن من متابعة الصورة التي يرسمها الكاتب للشخصية والتي تتميز بفردية لم يسبق لها نظير، وأصبح لزامًا على القارئ أن يكون ملمًا بحضارة العصر التي تشكل جزءًا هامًا من خلفية الرواية. فنحن نعلم مثلًا أن الرواية الحديثة تأثرت بعلم النفس، وفلسفة العصر، ومن أقطاب الحضارة الذين تركوا بصماتهم على الرواية: فرويد ويونغ وبيرجسون وآينشتاين، وجميعهم ساهموا مساهمة جليلة في خلق منظور جديد للزمن الذي لم يعد مجرد زمن الوحدات المعروفة بالدقائق والساعات والأسابيع والأشهر والسنين التي تتسلسل بطبيعتها خارج وعي الإنسان. باختصار أصبح الزمن نسبيًا واستثمر الكتاب هذه النسبية في الزمن خير استثمار. فقد بيّن الكتّاب المحدثون أن قيمة الحدث لا تكمن في كونه حدثًا في منظومة الزمن الذي تحدده ساعة الحائط، بل استجابة شعورية داخلية خارجة عن إطار الزمن المألوف، قد تمتد وتتعمق داخل إحساس الفرد لتلغي في النهاية وحدات الزمن المعروفة المتسلسلة من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل. وذكر بيرجسون أن الزمن أشبه بكرة جليد تتدحرج من قمة جبل ثلجي، فما أن تصل إلى قاع الجبل حتى تكون قد التقطت في طريقها كميات من الثلج جعلتها أكبر مما كانت عليه عند البداية. هذا هو مفهوم الزمن عند بيرجسون: فترة زمنية (duration) تكبر ويتسع مداها، ليس وهي تتحرك من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، بل وهي تتفاعل في نطاق الإحساس الحاضر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت